لا يُقدَّرُ بمِكيالٍ
لا يُعرَفُ له ثِقلٌ أو امتدادٌ ليُقاسْ
رائحةُ ثوبٍ، رطوبةُ حِضنٍ، الغريبُ من الظلالْ
لصوتِها ترجيحُ الأسى عندما تصمتْ
ولصمتِها طُهرُ الموتِ حين يغدو
تمشي في البيتِ، دونما تمشي
توزّعُ على الغرفِ بصرَها وبصماتِ ورعِها
تنحني لتحملَ فنجانًا مكسورًا، تُغلقُ النافذةَ، تنصتُ للبابْ
عندما تنامُ تهدأُ الفوضى
كان الضجيجُ يخجلُ من غيابِها
أمّي تمتازُ بضحكتِها
وتعتني بحزنِها حينَ الليلْ
لغرفتِها رائحةُ سجادةِ صلاةٍ
وصدى مؤذّنٍ ودواءٍ فاشلْ
أحبُّ طريقتَها في رؤيتِنا نتجاورُ أمامَ عينيها
أحبُّ خوفَها من السعالِ والحمّى
أحبُّ يديها الكبيرتين وأصابعَها العشرة
أحبُّ عينيها الواسعتين وأنا ألمعُ فيهما
أحبُّ رضاها وثرثرتَها وأكياسَها الكثيرة
أحبُّ عدَّها للدنانيرِ وانفلاتَ العملاتِ من بينِ أصابعِها
رنينَ الذهبِ وقلائدَها وبخورَها وعباءتَها وصندلَ عرسِها
أحبُّ كفنَها المطرَّزَ بالحنينْ
أحبُّ الماءَ المتماوهَ برخامِ سريرِها الأخيرْ
أحبُّ قبرَها الخالي منها
أحبُّ روحَها النورْ
أمّي
بياضٌ لا يحتملُ الحروفْ
تلك التي أحبها
لَها
لِطِفْلَةٍ تَتَعَثَّرُ بِعَتَباتِ البَيتِ
لِصَبِيَّةٍ تَغارُ مِن شَعرِها
لِامْرَأَةٍ تُظَلِّلُ قَلبَها بِالحُبِّ
لِأُمٍّ تَلعَبُ مَع عِيالِها
لِشاعِرَةٍ تَرحَمُ الحَرفَ
لِفَوزِيَّةَ
تِلكَ الَّتي أُحِبُّها
دُمُوعُ طِفْلَةٍ تَتَجاوَرُ...
ضحيةُ العيدِ الأوّلِ
عِندَما كانوا يَجُرُّونَهُ وَسَطَ صَرِيخِ إِخوَتِي
شَمِمْتُ رائِحَةَ فَرْوَتِهِ المُتَعَرِّقَةِ بِماءِ الهَلَعِ
لَم أُقَدِّرْ عَلى إِغماضِ قَلْبِي
عَن مَنظَرٍ يَسيلُ لَهُ الأَلَمُ
في البِدايَةِ...
فوزية
رَفيقَةُ روحي
بِكِ اِمتَحَنتُ الحَياةَ وَلا أَكادُ أَعرِفُكِ
كُلَّما تَلاشَيتِ دوني دَنَوتُ مِنّي
تَفَهرَتِ بِمَلامِحَ تَنبُؤُ وَتَتَوَسّى وَتَغيبُ وَتَسأَلُني
أَحبَبتُكِ مُذ تَشَيَّأتُ بِكِ حَرفاً...
قبل البحر
أَرى البَحرَ
مُرتَدِياً قَميصَ رُوحِكِ
مُهَرِّلاً نَحوي بِأَمواجِهِ العَجولَةِ
مُنتَهِيًا عِندَ قَلبي
لِأَراكِ
أَرى المَوجَ المُتَماوِهَ بِأُفُقِ يَدَيكِ
وَهِيِّ تَحتَضِنُ أَصابِعِي سِرّاً
كَأَنَّها خَلسَةً تَفتَشُ عَنكِ
...
لا تخطئ القلبْ
رَجَوتُكَ مُنذُ حُبٍّ بَعيدْ
وَتَسَلَّقتُ ظِلَّ الوَقْتِ كُلِّهِ
لِأُثبِتَ لَكَ ما بَينَنا
قُلتَ لي:
أَراكَ في عَينَيَّ
فَرَأيتُكَ تَرنو
وَتَرنو لِحُبٍّ يَراكَ
أَيا قَلْبي قُلْتُ لَكَ...