تلك التي أحبها فوزية السندي

تلك التي أحبها

رَفيقَةُ روحي
بِكِ اِمتَحَنتُ الحَياةَ وَلا أَكادُ أَعرِفُكِ
كُلَّما تَلاشَيتِ دوني دَنَوتُ مِنّي
تَفَهرَتِ بِمَلامِحَ تَنبُؤُ وَتَتَوَسّى وَتَغيبُ وَتَسأَلُني
أَحبَبتُكِ مُذ تَشَيَّأتُ بِكِ حَرفاً حَرفاً
وَنُدهتُ وَحَدَّقتُ وَأَصغَيتُ وَهَمَستُ وَتَهِتُ بي

أَيا آنِيَةَ النّور، سِرَّ السِّراج، باقَةَ اللَّاشَيءْ
تَكوينَ الأُنوثَة، مِحرابَ الخَوف، حَضنَ الحُبْ
جَريمَةَ السُّؤال، صاحِبَةَ النَّظَرِ فيما لا يُداري القَلبْ
كَم أَنتِ مَليئَةٌ وَمُزدَهاةٌ بِتَفاصيلي المُؤلِمَةِ
تَنفُضينَ البَحرَ وَتُرَتِّبينَ المَوجَ قَبلَ أَن أُبحِرَ بِكِ
تُهَيِّئينَ المَسافَةَ وَتُفضِحينَ السَّرابَ وَتَلُمْلِمينَ الغُبارْ
تُمَسِّدينَ الوَرقَ بِروحِكَ وَتَنزَعينَ الفَراغَ لِئَلّا أَراكِ
وَأَحْياناً تَضحَكينَ حَتّى أَبتَسِمُ لِمِرآكِ الرّائِعْ
أَيا ثَوبي وَعُريي وَغِطاءَ ظِلّي وَمُعضِلَةَ روحي
أَيا رُخصَةَ بَقائي وَعرَفاني وَوَجدي وَكُلَّ ما يَلتَبِسُ بي
بِكِ اِجتَزتُ العُمرَ وَأَهرَقتُ الوَقتَ
وَنَحَتُ ما كَتَبتُ وَنَحَرتُ ما كَتَمْتُ
صَوَّبتُ الطِّفلَةَ وَلَمَمتُ الصَّبيَّةَ وَتَرَجَّيتُ الأُمَّ
وَأَنبَتُّ الحَبيبَةَ وَتَجاهَلتُ العاشِقَةَ

فَوزُكِ أَضناني
وَفَشَلُكِ أَفشاني وَأَجَّجَ جَرائِري
أَيا امرَأَةً اِمتَحَنتُ كُلَّ الحُبِّ وَلا زِلْتِ تَرُقيني مِنهُ
أَيا امرَأَةً اِنتابَت ذاكرَتي بِوَميضِ الآه
وَلا زالَت تُشعِلُ الشَّمعَ وَتَنحَرُ القَرابينَ الكَسولَةِ
لِتُطفِئَ ذاكِرَةَ أَلَمي بِسَريانِ السَّمِّ
أَيا امرَأَةً لَم تَمُت قَبلَ أَن تَراني
نائِمَةً في الحُلمِ مُغَطّاةً بِالحَنينِ وَذِكرياتِهِ اللَّحوحةِ

أَيا امرَأَةً واضِحَةً تَعرِفُ أَنّي:
لا أَحيا إلّا لِلحِبرِ
لِظِلِّ حَرفٍ يَتَشَجَّرُ في روحي
لِصَدى ضَحَكاتِ صَبيَّةٍ ثَلاثَةٍ يُرَتِّبونَ قَلبي
لِحُبٍّ قَديمٍ وَآخَرَ يَقتَرِبُ وَواحِدٍ يُدنيني
لِقَلبٍ يَتَّسِعُ كَحَديقَةٍ تَنثُرُ عِطرَ عُمري

أَيا فَوزَ هَل نِلْتُ مِنكِ أَم نِلْتِ مِنّي
وَأَنا أَسأَلُكِ كُلَّ لَيلَةٍ: مِمَّ تَخافينَ

ها نَحنُ مَعاً
في مَصبِّ النِّهاياتِ
لا زِلْنا نَرتَقي الأَمَلَ الشَّريدَ
نَكشِفُ النِّهاياتِ الصَّعيبَةَ
نَطوي أَيّامَنا وَأَقمِشَةَ صَبرِنا
أَزهارَنا وَما تَبَرعَمَ مِن مَشاعِرِنا
نُرَتِّبُ مَوتاً جَريئاً لا يَرجِفُ عَلانِيَةً
بَل يَحتضِنُ جَسَداً لِلفَوزِ
يَتَشَظّى حُبّاً وَشِعراً وَحَرفاً وَحِبراً
لِيَغيبَ بِرِفْقَةِ رَملٍ ناعِمٍ وَثَوبٍ أَبيَضَ
لا يَخلو مِن صَمتِ المَوتِ أَوَّلاً
وَلا مِن هَواءِ الشِّعرِ آخِراً

تلك التي أحبها

لَها
لِطِفْلَةٍ تَتَعَثَّرُ بِعَتَباتِ البَيتِ
لِصَبِيَّةٍ تَغارُ مِن شَعرِها
لِامْرَأَةٍ تُظَلِّلُ قَلبَها بِالحُبِّ
لِأُمٍّ تَلعَبُ مَع عِيالِها
لِشاعِرَةٍ تَرحَمُ الحَرفَ
لِفَوزِيَّةَ
تِلكَ الَّتي أُحِبُّها

دُمُوعُ طِفْلَةٍ تَتَجاوَرُ عَلى شَرائِطِ البِلّورِ
وَهِيِّ تَلْمَلِمُ حاجِيّاتِها مِن رَصيفٍ يُصغي
لِصَقِ الحائِطِ تَدَحْرَجُ ظِلُّها المَمْدودِ
حَتَّى عَتَباتِ البَيتِ المُنكَسِرَةِ لِغِيابِها
ثَمَّةَ صَبِيَّةٍ يَتَعارَكونَ وَنَزيفُ الغُبارِ
يَثْلِمُ رِئَتيها بِحَريِرِ رُعبٍ آتٍ
تَنْتَعِلُ نَبَضاتِ قَلبٍ يَهْلَعُ لِخَلاياها
وَكَأَنَّها تَمشي

حَقيبَةُ...

للمزيد
ضحيةُ العيدِ الأوّلِ

عِندَما كانوا يَجُرُّونَهُ وَسَطَ صَرِيخِ إِخوَتِي
شَمِمْتُ رائِحَةَ فَرْوَتِهِ المُتَعَرِّقَةِ بِماءِ الهَلَعِ
لَم أُقَدِّرْ عَلى إِغماضِ قَلْبِي
عَن مَنظَرٍ يَسيلُ لَهُ الأَلَمُ
في البِدايَةِ لَم أُقْصِدْ أَن أَفِرَّ مِن كافَّةِ العَرْضِ
لَكِن تَهَيَّبْتُ أَوامِرَ أَبِي وَهُوَ يَدْعونا لِنَلْعَبَ مَعَهُ

كانَ صَغيرًا يَثْغُو بِصَمْتٍ يَتَحَشَّرَجُ مِن شِدَّتِهِ
ظَمَأً لِلماءِ يَدْعُهُ يَتَهادى مُفَتِّشًا عَنْهُ
لَولا الحَبْلُ لَما اِنحَنى بِكامِلِ...

للمزيد
قبل البحر

أَرى البَحرَ
مُرتَدِياً قَميصَ رُوحِكِ
مُهَرِّلاً نَحوي بِأَمواجِهِ العَجولَةِ
مُنتَهِيًا عِندَ قَلبي

لِأَراكِ
أَرى المَوجَ المُتَماوِهَ بِأُفُقِ يَدَيكِ
وَهِيِّ تَحتَضِنُ أَصابِعِي سِرّاً
كَأَنَّها خَلسَةً تَفتَشُ عَنكِ

يا صاحِبِي تَعَبَ الحُبِّ
وَهُوَ يَرمُقُ ظِلالَنا الخَفِيَّةَ عَلى الرَّملِ
تَعِبَ مِن شِدَّةِ خَفاءِ النَّبضِ وَقَسوَةِ الخَفَقِ
مِن قُدرَتِكَ الجَليلَةِ عَلى نَحْتِ رُوحي
مِن عَينَيكِ الغائِرَتَينِ في صَدى أَمسي
مِن هَمسِكَ مُختَلِياً بِحُدودٍ تَبدو لِلحُبِّ
مِن...

للمزيد
لا تخطئ القلبْ

رَجَوتُكَ مُنذُ حُبٍّ بَعيدْ
وَتَسَلَّقتُ ظِلَّ الوَقْتِ كُلِّهِ
لِأُثبِتَ لَكَ ما بَينَنا
قُلتَ لي:
أَراكَ في عَينَيَّ
فَرَأيتُكَ تَرنو
وَتَرنو لِحُبٍّ يَراكَ

أَيا قَلْبي قُلْتُ لَكَ مِرَارًا:
لا تُخْطِئِ الحُبَّ
لا تَرْتَجِ صَبْري أَو آهَ واحِدَةً لا تُشْبِهُني
قُلْتُ لَكَ وَكُنْتَ تُصْغي عَلى مَضَضْ
كَأَنَّكَ تَمْتَحِنُني بِما تَبَقّى لَكَ مِنّي
قُلْتُ لَكَ

كُنّا هُنالِكَ
مَعَنا
طاوِلَةٌ وَمَقْعَدَينِ صامِتَينْ
وَظِلَّينِ أَبْكَمَينْ
وَكَأْسَينِ يَنْتَظِرانْ
وَخَطَأً واحِدًا

للمزيد
نصيبُ الأُمِّ

لا يُقدَّرُ بمِكيالٍ
لا يُعرَفُ له ثِقلٌ أو امتدادٌ ليُقاسْ
رائحةُ ثوبٍ، رطوبةُ حِضنٍ، الغريبُ من الظلالْ
لصوتِها ترجيحُ الأسى عندما تصمتْ
ولصمتِها طُهرُ الموتِ حين يغدو

تمشي في البيتِ، دونما تمشي
توزّعُ على الغرفِ بصرَها وبصماتِ ورعِها
تنحني لتحملَ فنجانًا مكسورًا، تُغلقُ النافذةَ، تنصتُ للبابْ

عندما تنامُ تهدأُ الفوضى
كان الضجيجُ يخجلُ من...

للمزيد