تلك التي أحبها فوزية السندي

تلك التي أحبها

عِندَما كانوا يَجُرُّونَهُ وَسَطَ صَرِيخِ إِخوَتِي
شَمِمْتُ رائِحَةَ فَرْوَتِهِ المُتَعَرِّقَةِ بِماءِ الهَلَعِ
لَم أُقَدِّرْ عَلى إِغماضِ قَلْبِي
عَن مَنظَرٍ يَسيلُ لَهُ الأَلَمُ
في البِدايَةِ لَم أُقْصِدْ أَن أَفِرَّ مِن كافَّةِ العَرْضِ
لَكِن تَهَيَّبْتُ أَوامِرَ أَبِي وَهُوَ يَدْعونا لِنَلْعَبَ مَعَهُ

كانَ صَغيرًا يَثْغُو بِصَمْتٍ يَتَحَشَّرَجُ مِن شِدَّتِهِ
ظَمَأً لِلماءِ يَدْعُهُ يَتَهادى مُفَتِّشًا عَنْهُ
لَولا الحَبْلُ لَما اِنحَنى بِكامِلِ جُرْأَتِهِ وَهَبَطَ عَلى الأَرْضِ
أَمامَ صُرَّةٍ خَضْراءَ تَذْبُلُ مِن هَوْلِ ما تَتَوَقَّعُ

كُنَّا نَنْتَظِرُ العِيدَ مَعَهُ
نَعُدُّ الوَقْتَ الَّذي يَقْتَرِبُ
دونَ اِحْتِمالٍ واحِدٍ لِلدَّمِ الَّذي سَوْفَ يَتَشَرْشَرُ
لَيْلَتَها نِمْتُ عَلى وَعْدِ العِيدِ الحُلْوِ بِكُلِّ فَخامَتِهِ
ثَوْبِي مُعَلَّقٌ وَحِذائِي يَنْتَظِرُ وَشَرائِطِي تَتَأَهَّبُ
صَيْحَةٌ واحِدَةٌ مِن أُمِّي كانَت كَفيلَةً بِنَثْرِنا عَنِ الأَسِرَّةِ المُتلاصِقَةِ
وَاِنْدِفاعِنا لِرُؤْيَةِ العِيدِ

جاهِزَةٌ كَمَلاكٍ أَزْرَقَ، لامِعَةٌ، مُعَطَّرَةٌ، بِحَقيبَةٍ فارِغَةٍ أَتَمَشّى في البَيْتِ
صَوْتُ عِراكٍ قادِمٍ بِأَحْذِيَةٍ وَقَرْقَعَةِ أَوانٍ وَشَحْذِ ما
أَجَّلَ دَهْشَتي وَجَرَّني لِأَراهُ
كُنْتُ في طابِقٍ يَعْلوهُ أَنْظُرُ لِلْحَديقَةِ
حَيْثُ يَرْتَمِي وَأَقْدامٌ ثَقيلَةٌ تَسْنُدُ أَنفاسَهُ
يَراني بِعُيُونٍ تَمُوتُ
وَأَراهُ مُلَوَّنًا بِدَمِهِ يَسْتَجْدي عَطْفي الطِّفْلِ
اِبْتَعَدْتُ وَبَكَيْتُ

كُلَّ العِيدِ كُنْتُ أَراهُ

فوزية

رَفيقَةُ روحي
بِكِ اِمتَحَنتُ الحَياةَ وَلا أَكادُ أَعرِفُكِ
كُلَّما تَلاشَيتِ دوني دَنَوتُ مِنّي
تَفَهرَتِ بِمَلامِحَ تَنبُؤُ وَتَتَوَسّى وَتَغيبُ وَتَسأَلُني
أَحبَبتُكِ مُذ تَشَيَّأتُ بِكِ حَرفاً حَرفاً
وَنُدهتُ وَحَدَّقتُ وَأَصغَيتُ وَهَمَستُ وَتَهِتُ بي

أَيا آنِيَةَ النّور، سِرَّ السِّراج، باقَةَ اللَّاشَيءْ
تَكوينَ الأُنوثَة، مِحرابَ الخَوف، حَضنَ الحُبْ
جَريمَةَ السُّؤال، صاحِبَةَ النَّظَرِ فيما لا يُداري القَلبْ
كَم أَنتِ مَليئَةٌ وَمُزدَهاةٌ بِتَفاصيلي المُؤلِمَةِ
تَنفُضينَ...

للمزيد
قبل البحر

أَرى البَحرَ
مُرتَدِياً قَميصَ رُوحِكِ
مُهَرِّلاً نَحوي بِأَمواجِهِ العَجولَةِ
مُنتَهِيًا عِندَ قَلبي

لِأَراكِ
أَرى المَوجَ المُتَماوِهَ بِأُفُقِ يَدَيكِ
وَهِيِّ تَحتَضِنُ أَصابِعِي سِرّاً
كَأَنَّها خَلسَةً تَفتَشُ عَنكِ

يا صاحِبِي تَعَبَ الحُبِّ
وَهُوَ يَرمُقُ ظِلالَنا الخَفِيَّةَ عَلى الرَّملِ
تَعِبَ مِن شِدَّةِ خَفاءِ النَّبضِ وَقَسوَةِ الخَفَقِ
مِن قُدرَتِكَ الجَليلَةِ عَلى نَحْتِ رُوحي
مِن عَينَيكِ الغائِرَتَينِ في صَدى أَمسي
مِن هَمسِكَ مُختَلِياً بِحُدودٍ تَبدو لِلحُبِّ
مِن...

للمزيد
تلك التي أحبها

لَها
لِطِفْلَةٍ تَتَعَثَّرُ بِعَتَباتِ البَيتِ
لِصَبِيَّةٍ تَغارُ مِن شَعرِها
لِامْرَأَةٍ تُظَلِّلُ قَلبَها بِالحُبِّ
لِأُمٍّ تَلعَبُ مَع عِيالِها
لِشاعِرَةٍ تَرحَمُ الحَرفَ
لِفَوزِيَّةَ
تِلكَ الَّتي أُحِبُّها

دُمُوعُ طِفْلَةٍ تَتَجاوَرُ عَلى شَرائِطِ البِلّورِ
وَهِيِّ تَلْمَلِمُ حاجِيّاتِها مِن رَصيفٍ يُصغي
لِصَقِ الحائِطِ تَدَحْرَجُ ظِلُّها المَمْدودِ
حَتَّى عَتَباتِ البَيتِ المُنكَسِرَةِ لِغِيابِها
ثَمَّةَ صَبِيَّةٍ يَتَعارَكونَ وَنَزيفُ الغُبارِ
يَثْلِمُ رِئَتيها بِحَريِرِ رُعبٍ آتٍ
تَنْتَعِلُ نَبَضاتِ قَلبٍ يَهْلَعُ لِخَلاياها
وَكَأَنَّها تَمشي

حَقيبَةُ...

للمزيد
نصيبُ الأُمِّ

لا يُقدَّرُ بمِكيالٍ
لا يُعرَفُ له ثِقلٌ أو امتدادٌ ليُقاسْ
رائحةُ ثوبٍ، رطوبةُ حِضنٍ، الغريبُ من الظلالْ
لصوتِها ترجيحُ الأسى عندما تصمتْ
ولصمتِها طُهرُ الموتِ حين يغدو

تمشي في البيتِ، دونما تمشي
توزّعُ على الغرفِ بصرَها وبصماتِ ورعِها
تنحني لتحملَ فنجانًا مكسورًا، تُغلقُ النافذةَ، تنصتُ للبابْ

عندما تنامُ تهدأُ الفوضى
كان الضجيجُ يخجلُ من...

للمزيد
لا تخطئ القلبْ

رَجَوتُكَ مُنذُ حُبٍّ بَعيدْ
وَتَسَلَّقتُ ظِلَّ الوَقْتِ كُلِّهِ
لِأُثبِتَ لَكَ ما بَينَنا
قُلتَ لي:
أَراكَ في عَينَيَّ
فَرَأيتُكَ تَرنو
وَتَرنو لِحُبٍّ يَراكَ

أَيا قَلْبي قُلْتُ لَكَ مِرَارًا:
لا تُخْطِئِ الحُبَّ
لا تَرْتَجِ صَبْري أَو آهَ واحِدَةً لا تُشْبِهُني
قُلْتُ لَكَ وَكُنْتَ تُصْغي عَلى مَضَضْ
كَأَنَّكَ تَمْتَحِنُني بِما تَبَقّى لَكَ مِنّي
قُلْتُ لَكَ

كُنّا هُنالِكَ
مَعَنا
طاوِلَةٌ وَمَقْعَدَينِ صامِتَينْ
وَظِلَّينِ أَبْكَمَينْ
وَكَأْسَينِ يَنْتَظِرانْ
وَخَطَأً واحِدًا

للمزيد