عِندَما كانوا يَجُرُّونَهُ وَسَطَ صَرِيخِ إِخوَتِي
شَمِمْتُ رائِحَةَ فَرْوَتِهِ المُتَعَرِّقَةِ بِماءِ الهَلَعِ
لَم أُقَدِّرْ عَلى إِغماضِ قَلْبِي
عَن مَنظَرٍ يَسيلُ لَهُ الأَلَمُ
في البِدايَةِ لَم أُقْصِدْ أَن أَفِرَّ مِن كافَّةِ العَرْضِ
لَكِن تَهَيَّبْتُ أَوامِرَ أَبِي وَهُوَ يَدْعونا لِنَلْعَبَ مَعَهُ
كانَ صَغيرًا يَثْغُو بِصَمْتٍ يَتَحَشَّرَجُ مِن شِدَّتِهِ
ظَمَأً لِلماءِ يَدْعُهُ يَتَهادى مُفَتِّشًا عَنْهُ
لَولا الحَبْلُ لَما اِنحَنى بِكامِلِ جُرْأَتِهِ وَهَبَطَ عَلى الأَرْضِ
أَمامَ صُرَّةٍ خَضْراءَ تَذْبُلُ مِن هَوْلِ ما تَتَوَقَّعُ
كُنَّا نَنْتَظِرُ العِيدَ مَعَهُ
نَعُدُّ الوَقْتَ الَّذي يَقْتَرِبُ
دونَ اِحْتِمالٍ واحِدٍ لِلدَّمِ الَّذي سَوْفَ يَتَشَرْشَرُ
لَيْلَتَها نِمْتُ عَلى وَعْدِ العِيدِ الحُلْوِ بِكُلِّ فَخامَتِهِ
ثَوْبِي مُعَلَّقٌ وَحِذائِي يَنْتَظِرُ وَشَرائِطِي تَتَأَهَّبُ
صَيْحَةٌ واحِدَةٌ مِن أُمِّي كانَت كَفيلَةً بِنَثْرِنا عَنِ الأَسِرَّةِ المُتلاصِقَةِ
وَاِنْدِفاعِنا لِرُؤْيَةِ العِيدِ
جاهِزَةٌ كَمَلاكٍ أَزْرَقَ، لامِعَةٌ، مُعَطَّرَةٌ، بِحَقيبَةٍ فارِغَةٍ أَتَمَشّى في البَيْتِ
صَوْتُ عِراكٍ قادِمٍ بِأَحْذِيَةٍ وَقَرْقَعَةِ أَوانٍ وَشَحْذِ ما
أَجَّلَ دَهْشَتي وَجَرَّني لِأَراهُ
كُنْتُ في طابِقٍ يَعْلوهُ أَنْظُرُ لِلْحَديقَةِ
حَيْثُ يَرْتَمِي وَأَقْدامٌ ثَقيلَةٌ تَسْنُدُ أَنفاسَهُ
يَراني بِعُيُونٍ تَمُوتُ
وَأَراهُ مُلَوَّنًا بِدَمِهِ يَسْتَجْدي عَطْفي الطِّفْلِ
اِبْتَعَدْتُ وَبَكَيْتُ
كُلَّ العِيدِ كُنْتُ أَراهُ
تلك التي أحبها
لَها
لِطِفْلَةٍ تَتَعَثَّرُ بِعَتَباتِ البَيتِ
لِصَبِيَّةٍ تَغارُ مِن شَعرِها
لِامْرَأَةٍ تُظَلِّلُ قَلبَها بِالحُبِّ
لِأُمٍّ تَلعَبُ مَع عِيالِها
لِشاعِرَةٍ تَرحَمُ الحَرفَ
لِفَوزِيَّةَ
تِلكَ الَّتي أُحِبُّها
دُمُوعُ طِفْلَةٍ تَتَجاوَرُ...
فوزية
رَفيقَةُ روحي
بِكِ اِمتَحَنتُ الحَياةَ وَلا أَكادُ أَعرِفُكِ
كُلَّما تَلاشَيتِ دوني دَنَوتُ مِنّي
تَفَهرَتِ بِمَلامِحَ تَنبُؤُ وَتَتَوَسّى وَتَغيبُ وَتَسأَلُني
أَحبَبتُكِ مُذ تَشَيَّأتُ بِكِ حَرفاً...
قبل البحر
أَرى البَحرَ
مُرتَدِياً قَميصَ رُوحِكِ
مُهَرِّلاً نَحوي بِأَمواجِهِ العَجولَةِ
مُنتَهِيًا عِندَ قَلبي
لِأَراكِ
أَرى المَوجَ المُتَماوِهَ بِأُفُقِ يَدَيكِ
وَهِيِّ تَحتَضِنُ أَصابِعِي سِرّاً
كَأَنَّها خَلسَةً تَفتَشُ عَنكِ
...
لا تخطئ القلبْ
رَجَوتُكَ مُنذُ حُبٍّ بَعيدْ
وَتَسَلَّقتُ ظِلَّ الوَقْتِ كُلِّهِ
لِأُثبِتَ لَكَ ما بَينَنا
قُلتَ لي:
أَراكَ في عَينَيَّ
فَرَأيتُكَ تَرنو
وَتَرنو لِحُبٍّ يَراكَ
أَيا قَلْبي قُلْتُ لَكَ...
نصيبُ الأُمِّ
لا يُقدَّرُ بمِكيالٍ
لا يُعرَفُ له ثِقلٌ أو امتدادٌ ليُقاسْ
رائحةُ ثوبٍ، رطوبةُ حِضنٍ، الغريبُ من الظلالْ
لصوتِها ترجيحُ الأسى عندما تصمتْ
ولصمتِها...