حنجرة الغائب

رُبَّما
هُوَ
الحُبُّ
أَنْ لا تَرى أَحَدًا
وَأَصابِعُكَ تَمورُ بِرَعدَةِ الوِحدَةِ في دَغَلِ المَشيبِ
وَأَنتَ تُلاطِفُ هَديلَ الرَّغبَةِ
أَنْ لا تَرى غَيرَ مَقعَدٍ فارِغٍ في مُنتَزَهٍ بَعيدٍ
كانَ ذاتَ مَساءٍ لَكَ
وَكُلَّما خَفَتْ تَرَنُّحاتُكَ خَلفَ ضَبابِ اللَّوحَةِ
وَاستَندْتَ عَلى مِرفَقِ غَثيرٍ غُربَتِكَ
لِيَنتابَ جَسَدَكَ بَردٌ يُهْديكَ عَضَّةَ العُنفِ
تَحَسَّستَ شَيئًا ما يَنزَلِقُ في حَنجَرَةِ الغُرفَةِ
يُشبِهُ سَعارَ الذّاكِرَةِ
يَلتَفُّ نَحوَكَ
يُبَشِّرُ أَعضاءَكَ بِهَستيريا الوَجَلِ
ما مِن مَفَرَّ أَمامَكَ
غَيرَ أَنْ تُلَفحَ وَجْنَتَيكَ بِجَمرَةِ البُكاءِ
وَتَغْمِدَ الكَلامَ في كُتُبِ النَّبذِ:
هؤُلاءِ المُدَثَّرونَ بِغَدّاراتٍ مَصقولَةٍ تُدينُ خُطوَةَ الخَطيئَةِ- خِبرَةَ الخَجَلِ
يُدَخِّرونَ لَكَ ما يُضني الغَزالَةَ الَّتي وَهَبَتْكَ حافِرَها الفَريدَ
جَلّاوِزَةُ الهَيئَةِ الرّاصِدَةِ مِن مَسْلَخِ السِّيادَةِ، أُرجُوانُ اللَّذَّةِ في رَجعَةِ الجَسَدِ
مَن يَستَرِقُ غَيبَةَ العِقابِ لِيَفتِكَ بِحُرِّيَةِ الأَقنِعَةِ
أَقنِعَةٌ يَروقُ لَكَ شَحذُها بِأَصباغِ القَبائِلِ الضّائِعَةِ
في رَميمِ الهَيكَلِ وَهَندَسَةِ الكُهوفِ
كُلَّما
تَناهَبَتِ الأَطرافُ المُبتورَةُ وَاستَنجَدَت بِإبرَةِ الدَّمِ
كَتَائِبُ لا تَتوبْ
مَآتِمُ لا تَموتْ
قَذائِفُ تَتَهَيَّأُ لِدِرعِكَ المُطَرَّزِ بِوَهمِ الفَوزِ
مَقَاليِعُ لا تُخطِئُ عُزلَةً تَأوِيها عَرّافَةُ الهَتْفِ
لا مِنَصَّةَ لِلنَّصْرِ
لا مَلجَأَ لِلنَّجاةِ
يَتَسَعونَ أَمامَكَ
وَخَلفَكَ يَتَسَعونَ
وَوَحدَكَ في نَجمَةِ البَحرِ
في جَوهَرَةِ القَبرِ
تَتَّسِعُ مُحتَضِنًا اِنشِطارَكَ الأَوَّلَ وَالأَخيرَ
كَدمِيَةِ البَرقِ
مُدِيَةِ البَريقِ

كُلَّما مَدَّتِ الأَرضُ جِراحَها في مَرايا مَهدِكَ
اِنهاَدَتْ يَداكَ
وَعلَا نَفيرُ الرِّئَةِ ضارِبًا قُطنَةَ القَلبِ بِصاريَةِ الطَّعنَةِ
كُلَّما شَدَّتِ الأَرضُ جَناحَيها مِن قَيدِ المُحْنَةِ
وارتَمَتْ في دَمِكَ
طالَ جِذعُكَ وَالتَفَتَتْ قَبضَةُ الطَّريقِ في لَيلٍ يَصِلُ غِيلَةَ الحَصى
دَرَأتُ المَدى
وَاندَفَعتُ في سَهمِ الرُّؤى
تَفتَشُ عَنْ جَسَدٍ يُوغِلُ في شَهوَةِ المُتاهاتِ

لَكِنَّها في مُهانَةِ عُنْفٍ يُؤَجِّلُ المُكابَدَةَ وَالرَّأفَةَ بِكَ
فَلا تُشْعِلْ ما تَراهُ غافِيًا في سُطعَةِ الأَشنَةِ: نَسلُ السُّلطَةِ
وَلا تَشفَقْ عَلى ما تَراهُ ضالًا في سَريْرَةِ الكَشْفِ: نَسلُ سُلطَتِكَ
فَدَعْها
تَرشُّ مَسوخَ الفَضيلَةِ بِبَخورِ الفَضيحَةِ
وَتَتَنَعَّمْ بِمَوْكِبِ الضَّحايا
وَنَخلَةِ الأَلَمِ

عُدْ
إِلى كَوكَبِ الجِسرِ الَّذي يَرعى غَنائِمَ الذُّروَةِ
مَبهورًا بِنَواةِ التَّكوينِ بِتَحْفَةِ النَّواحِ
: هَذا المِلْحُ الَّذي يَسرُدُ نَدَمَ الرُّوحِ
خُذْ بِفَتْوَى ما يَعصيكَ مِن سَنابِلِ العَصفِ الَّذي يَصهَلُ في صَحْوَةِ القَميصِ
– هَذا الوَرَقُ الَّذي تَعتَريه أَصابِعُكَ كُلَّما اِقتَحَمْتَ عُرْيَ الوَريدِ-
كَتابَةٌ كَالوَقْتِ تَطْغى
كُلَّما أَشْتَدَّ القَصفُ
وَرَنَا الرَّأْسُ لِمُلاحينَ بُرْجونَ حَديدِ المِرْساةِ في قَلْبِ اللَّيلِ

هَذا
هُوَ
الحُبُّ
لا أَعرِفُ
قُل.. رُبَّما
ما يَكْتَنِزُ مِن خَفَقٍ في جَسَدَينِ يَمْتَحِنانِ اللَّيلَ في رِعدَةٍ
يَتَناوَبانِ كَوَردَتَينِ عَلى فَضْحِ وَقارِ سُجْدَتِهِ
ما يُخالُ لَكَ أَنَّهُ لَذاذَةُ المَوتِ أَو غَفْوَةُ النَّبْضِ
ما يَنْتَفُ لَهُ اليَمامُ وَمِيضُ الرّيشِ في عِناقِ المَناقيرِ بِمَشيئَةِ الغَفلَةِ
حَديثُ السَّلاحِفِ عِندَما تَعْجِزُ عَنْ مُغادَرَةِ حِصْنِ الصَّدَفَةِ
لِتَلهوَ بِهِمْسِ الحَضْنِ
سَهْوُ المَساءِ
اِحْتِفالٌ تَتَضامَنُ فيهِ الأَعْضاءُ عَلى نَهْبِ نَهْدَةِ النّارِ
بَيْتٌ لا يَبُوحُ بِسِرِّ اِندِياحِ الرُّوحِ
حُرِّيَةُ الجَسَدِ
نَهْضَةُ النَّظَرِ
زَعْقَةُ الزَّفيرِ
شَهامَةُ الجَشَعِ
تُفّاحُ الحَنُوِّ النّاضِجِ في حَفيفِ المَباهِجِ
ما يَعْزِفُ عَلى نايٍ جانِحٍ رَنيمَ الأُفُقِ
ما يَصْمُتُ
الباسِقُ مِن طينَتَينِ تَلْثِمانِ بِذْرَةَ الجِنْسِ
أَوَّلُ ما يَخْلُقُ في مَحارَةِ حَوّاءَ وَأَديمِ آدَمَ مِن شَهْوَةِ الرّيشِ
القاتِلُ الَّذي يَراهُ وَيَنْحَنِي لَهُ في جُرْأَةِ النَّهْرِ صَمْتَ القَتيِلِ
القَتيِلُ الَّذي يَغْفِرُ بِشَغَفِ المانِحِ مَوْتَهُ فِدْيَةً لِخَنْجَرٍ باسِلٍ مِن الأَقاصي
القَتْلُ الَّذي لا قَرارَ لَهُ
لا قَسْوَةَ فيهِ
قُبْلَةُ المَوتِ
هَذا
هُوَ
الحُبُّ

عن حصنٍ يشبهُ الحضنْ

لوّحَ بعكازيكَ من نافذةٍ تركضْ
كأنّها بياضًا يتقدّمُ غُرّةَ كتفيكْ… أيّها الأعزلْ
يا ملتفًّا بهواءٍ جاثمٍ لا يرأفُ بشهوةِ الفرارْ
ملتحفًا بملجئك الوحيدْ:
شرفةٌ...

في خلوةِ الذبيحةْ

(1)
ليس جسدًا ما ترى
لكنّه جسارةُ الوحشةْ وحديقةُ الدمْ
تجنُّ فيهْ
وتُصغي إليهْ

نبضُ ليلٍ يشبهُ المطرْ
تنفرُ منهْ
لترى صورةَ الروحْ
مترنّحًا لضراوةِ رمحٍ ضاغنْ...

كل هذا الوله

يا حُريَّةَ الحُبِّ
حَنينَ البَيتِ
مِن حَضنٍ شاسِعٍ يَطوي غُربَةَ الأَعضاءِ في لَسمَةِ اللَّيلِ
تَنشُرينَ دِفئًا يُطفِئُ رَعدَةَ اللَّهاثِ
خَلفَ دَمعٍ يَنحَدِرُ بَطيئًا
كَأَنَّهُ جِزيَةُ...

ممالك

الهَواءُ
دَليلُ الأَعمى

أَيَّتُها الإِبرَةُ
يا مَن تُخيطُ لَنا

جَسَدًا مِنَ الجِراحِ
أَما زِلْتِ عاريَةً؟

أَحبَبتُهُ
هَذا الطّائِرَ الَّذي بِلا جَناحٍ يَحلِقُ
وَأَحَبَّني

أَنا الجَناحُ...