لا أعرف،
لِمَ على الشعر تحديداً، أن يستبرأ من نواياه على الدوام
أن يستحلف المقدسات كلها، محتكماً لمقاصد نبله وبسالة ضرورته، ضد سطوة حلولهم
لِمَ على الشعر وحده، أن يدان تباعاً لمدى استشراء هزائمهم.
منذ سنوات القرن الماضي حتى أواخر سبعيناته، شكل الشعر ومنصاته الفارغة منه، وقاعاته المكتظة بمقاعد للصفير والتصفيق، ظاهرة جلية للدرس، مما أعتبره البعض احدى علامات نهضته، ضجيج الأكف والحناجر، مؤشرات حتمية لجودته وبالتالي لجماهيريته، لنبله في الذود عن شعارات الأمة، وقضاياها المصيرية.
كل شاعر حمل الراية في تلك السنوات، لم يغفل عنه النقد أبداً، بل وازاه لينال شيئاً من أمجاده المجلجلة، صار النقد نصيراً للأضواء التي تحف بالشعراء، ضمن الوظائف التي أنيطت لهما معاً، الدفاع عن الثورات ومنجزاتها الآتية لا محالة.
كان الشاعر المزود بهتاف الجماهير المسيسة للدفاع عن قضاياها، لا عن شعره، كان يصرخ الشعر، متخفياً خلف القبائل الحزبية، المجلات المرهونة للشعارات، دور الصحف الحزبية أيضاً، أقلام النقاد، دعم كل هذه الجهات له يتصف بحاجتهم الماسة لبوق إعلاني، يتصف بقدرته على تحريض الجماهير- حجر الزاوية- نحو برامجهم الآنية.
بعدما اهتلك كل هذا المصاب بنكسة حزيران، وما تلاها من انهيار الأعمدة، ذوبان المعتركات والحراك الأعمى، سقوط الثورات تلو الثورات، انفضاض الجماهير التي سأمت عقم الشعارات، انتهى معه، كل ما يتصل بدعم الإبداع.
صار الشعر وحيداً
الشاعر وحيداُ
ليس له، غير ورقه وطاولته وحبره.
انزوى من يكتب لاكتساب التصفيق والمدائح، وراهن البعض على صيحات شعرية لإيقاظ ما تبقى من جمرات مبتلة، اجتاحت المشهد الشعري أجيالاً أخرى، لم تتربى في تلك السنوات، أسرت نحو كتابة مغايرة، تشتعل فيها تحديات الذات، الذات المهمومة بعنف ما يحدث لها الآن.
فرق داهم، بين أن نكتب ما يحدث أو أن ندعه يكتبنا، الموهبة لا ترتضي أبداً، أن يداهمها “الواقع بسردياته” ليجيرها على هواه، بل تنتظر لتستشف مداه أولاً، ردحاً من الوقت الكفيل بغمرها في مجترحات الذات الإنسانية، ثم إعادة تكوينه من خلال أتونها، لينساح على الورق المضني، مشمولاً بما تراه.
البوق لا يصطبر وهو ينفث الهواء الفج لإرضاء أولى الأمر، يصدر طنيناً مؤذياً للأذن وللبصر وللهواء ذاته.
الناي يعلم الهواء هواه، يغمر القلب بأنينه العذب، يستلهم من الريح فتواه.
فرق شاسع بين مآلات لا يرتجى منها غير الإلهاء بما هناك.
منذ ذلك الوقت والشعر يتعرض لمآلات فنية لا تتكئ على أي شيء، اللاشيء وحده مداها، المغايرة، نحت الحرف، تضفير الصورة الشعرية بابتهالات حكيمة، مختلفة في تصديها للحدوث، مضامين متغايرة، تحديات غير مرتهنة للآخر، بل للذات في انشطارها نحو الآخر.
عودة الشعر لمعتركه الحقيقي هذا، أذاب الضلال المغوي، المتعلق بجماهيريته وصخب الكفوف، أعاده لقارئ وحيد مثله، يلتذ بقراءة الحروف، دون وهم واحد يتعلق بذرى المجد وندهة الخلود.
ندرة من النقاد احتموا برصانة النقد، وراحوا يقتربون بحذر من مشاغلات ومقترحات التجارب الشعرية تلك، غالبيتهم اتصفوا بحصانة الهجرة نحو الماضي، مواصلة الكتابة بما أنجزوا من نقد قديم.
غفلة هؤلاء النقاد أتاح بشكل باهر، فوز النص الشعري، لكونهم في الماضي لعبوا دوراً ولم يزل في تحريف طريق الشعر، عدما غمروا منافذ القول بالمصطلحات الشائكة حول قصيدة النثر، ضرورة التفعيلة لجواز الشعر، قداسة عمود الخليل، وغيرها من التعاويذ النقدية التي ضللت العديد من التجارب، آخرها بالطبع موت الشعر ونهاية دوره، تسليم الشعلة لراية الرواية.
هكذا، بمجانية تامة، يتم محاورة الفنون الإبداعية، ولن أستفيض في سرد مصطلحات أخرى، كالأدب النسوي وغيرها من تعميمات لا تتصل بذخيرة الإبداع.
قلة أيضاً من صحبة المجلات الثقافية، راعت متابعة الجدة عبر التغطيات الانطباعية للمنتوج الشعري، أغلبها فتح ذراعيه لسيول الهبوط من هواة النظم الاستهلاكي، رافعين راية العودة إلى الجذور. كل دور النشر خضعت لتسعيرة العملة الصعبة تجاه الشعر.
نرجسية الذات تحولت إلى داء شره لكل شاعر لا يرى إلاه، حلت التصنيفات المجحفة التي تحتمي بتجييل الشعراء، صرنا نقرأ تفخيمات هشة تحتمى بها الأسماء، عن شعراء كبار وصغار، لا نصاً شعرياً أو لا شعري مهما تزاحمت الاحتفالات الموصولة بفن المجاملات.
ما تبقى من المشهد الشعري: منابر الكترونية تجتهد بجمالية لا تضاهى لصقل بوصلة الشعر،
كتب شعرية تتوالى لنيل أفق المآل الإنساني النبيل، أصوات جديدة تذيب وهم موت الشعر وحصانة الأسلاف، مواهب تتقدم بثقة الغافل عن شرور الحاضر.
ما تبقى لنا: حبر يشعل ذاكرة الأرض، مهما تناءى المستقبل عنه، سيتقد ليصل.
أعرف، لا كرامة لحبر في دواته،
دام خفياً هناك، مستقراً في ظلمة،
لا تفقه قوله، جهالة لا تصغي له
وأخرى عارفة تتجاهل صمته
فلا ملامة إلا عليه،
إذا أناب العمر لهم
ليتهودوا ضده.