هذا هو النص

 كيف لي أن أمسّ هذا النبض

كلام رهيف يخلع فضاء الأبيض المشاع أمامه بوميض الحلم ويكسر السطر وما يمتدُ مثل السيف كيف لي.

ما لابد منه

نوافذ النقد:

لست هنا لاقتراف فعل النقد الذي يقسو ليغتبط بذاته، أو الذي يتأهب بعدة السفك ويسوق ما يفترض أنه جثة لبرد الطاولة، ويفاجأ حين يغرز محرزه لتشريح ما استعصى من أعضاء النص، يفاجأ بصرخة ترديه منذهلاً لما يرى، ويعتقد فيما بعد صعوبة الدخول الى هذا النص الذي ينزف دماً لن ينساه من لا يحترز، من لا يرفق بعبء أمين المتخلق جسداً أكثر رهاوة مما نجزم.

فليكسر، من أراد أن يتوغل، معوله.

آن لنا أن نلتذ بهذا الهواء.

إنه الهواء ولا شيء سواه ذلك الى يحرضنا ونحن نقرأ أن ننسى ما نقرأ وننداح في سلال المتعة التي لا تتضاهى، بدخول هذه المغامرة التي تجرجرنا من ردن الصخب الذي يعترينا. ومن لا يفعل لن يغفر ليديه ما التهت به من شأن آخر عندما تتبرأ منه ذاكرة تعرضت لكل هذا الانتهاك الجميل.

عندما ينتزع أمين صالح جسده المضمخ بكلام فاضح ويهبهُ ببذخ في العراء ويقول هذا نداء ندمائي فماذا ترون؟

لا نرى غير ما نراه أو ما يراه لأننا في كل قرائه (محاذاه) لنصه نكتشف تبدل رؤيتنا للمشهد ولما توقعناه أن يكون. ونبدأ ننسف بأنفسنا، وبوعي أكثر انتقاداً، ما كنا نراه.

عندما يتحمل النص كل هذا التشظي الرؤيوي والفني، لقيمة خاصة تكتنز فيه فلن ينصاع أحد لحكمة النقد، هذا الذي سيرتدى مطرقة القضاة ويأمر النص أن يحتكم له ولخبرة الشرائع والموازين والمصنفات الأدبية التي لا يجرؤ على هتك الحد بينها فالكل مصون ومحصن وراء جلالة البلاغة يحتمى بسلطة نُسّاخ يرممون الأسيجة وما يفصل بينها من حيطة الأصل ضد العبث الذي يحلو لآخرين – يلتمع أمين فيما بينهم – أن يطحنوا قواها المغبرة برحى البدعة.

ماذا ترون؟

هكذا لا يكف من مشاغبة أدوارنا في مالا ندرى. لأنه النص الذي يبوح ولا يستباح ولا نجرؤ على تخيل هذا الفعل.

لا باب للانتظار. كل ما هناك نوافذ للفتح.

لا يحق لأحد أن يقترح على جسد النص.

كل هذا يفسدُ اللعبة التي انتضاها هذا الطفل وهو على كتف البحر يدغدغ خجل الشمس برمل الحلم وصنع قلعة طفولته مما يندع من ندماء حوله.

هناك من يعترض.

  • كيف إذاً سيكتشف الكاتب تجربته ويتحسس صداها؟ ولكن سيحتكم؟

له، ولا أحد سواه مترع بكل هذا البوح.

النص وحده قادر على الترفق به وبمواطئ اندلاعه حين يوشوش من يكتب بأن عليه أن يتأنى ولا يغفل. هذا عندما يقرأ ويشهد محاورة الذات الي ستحتضن انشطارا طامحاً يعتريه ليغامر ثانية ويلغى نصه الدى لا يرى فيه ما كان يراه.

أما نحن فلنا أن نحاذى، بحذر البحث، ماحّل علينا منه، دون أن نخضع لبراءة الوعظ، فما أشد بغض هذا الطفل له، وهو لن يتوانى عن التمادي في عنن الخلق نكاية بفصاحة الفتك.

إذا ابتلى أي منا بوهج عنيد لا يغادر جسده بعد أن ينتهي من النص، فله أن يختط ما شاء متذرعاً بقابلية الدخول، ولنا أن نقرأ ما أصابه، وليس لنا أن نصدق لأنه سيبدو مختلفاً عما أصبنا به.

وإذا لم يتحقق هذا البلاء لأحد فلابد من خلل ما، ربما لن يشفى منه، وهذا شأنه ايضاً الذي لن يؤخر النص عن هذا المضاء الصعب لمحاولة الفتك به، أو التغافل عن مناعته.

أمام النص لا وقت للنصح.

وأمام أمين صالح بالذات الذي يعي فنياً ورؤيوياً مدى استباحة الآخرين له. لهذا نراه يستبسل في سبيل هتك مثل هذه الأدوار التي يرفض أن تصوغ صولجانها من خلقه.

فإعتاد أن يترعهم “مثل أكباش تتناطح فوق نتوء يفضي الى هاوية تعج بالجمرات”.

أو يأمرهم “تعال يا قارئ أبراجنا الكسول لنرميك بلا هوادة في لغز المشهد”.

أو يهمس لهم “لن يفهم العبارة غير الذي يمتزج دمه بدم البحر”.

هذا هو التحدي الفني الى ترتهن له الكتابة حين تأتلق لتصد غزاتها.

نهضة النص

عندما تجرأت وكسرت كفن الكتابة، التجأت التجارب الجديدة بسبل لا تحصى لتأجيج ذروة البوح التي لن تبلغ انتشائها الفحل قط، لهذا الجنون الأسر والموسر الذي يقتاد الخطو نحو مفاوز أكثر غنجاً وطراوة في كل محنة.

عندما تهرأت شرائط الكفن، لم تكن هناك جثة.

كانت شرانق في مهنة الخلق. نطفة في بهاء التكوين تمد يديها لمن يحتمل خطورة بذرها في بياضه. فأمطرت التجارب وهي تكتشف مغامرة هذا النسغ الذي تأمل تفرعه بأخضر الأسر، وتفرده بوردة الكلام التي ظلت تراود حلم من أخفق وشهد جفاف البذرة وتهدّل الأعضاء حين تهاوت في ذهنية القصد ودبق اللغو. أما ما أينع، أدار له الأخر نخب النص الذي لا يقبل النصر.

نهضة يورق فيها الكلام كأنه السحر الذي يمسّ الكائنات ويدغمها في لهوه، هو اللهو الذي لا يهاب حافة الحتف.

حرية لا وصف لها تغدق المشاهد والشاهد ببراعة النسك نحو أفق لاهث يختبر حدهّ، هذا الحد الذي يتماهى بسواه ليجلب متعة التعب وأنت تلعب معه في مداه، لا تفرق بين الحد والجسد حين يفتض الجسد حدّه ويقبل نزهتك في مديته التي ستراها مشحوذة بما مسهّ من العالم.

يقبل رفقتك إن ترفقت به ولم تقبل ما أثراك به من بطش المقتص. بالرغم من كل ما كتب حول النص وما اشترط له من أفاريز عاجيه تتلفع بفراء الجدّة، وما يرتكب من مقدسات ومداورات تتموضع لتؤسس في عصف البحث عن جذر أو متكأ يسوغ ما يحدث له.

بالرغم من كل هذا الحرص الذي يفسد ثراء الأرث وهو الأجداث باستماتة المؤسس وبعصا النافذ على كل شأن، الواهب ذاته عرشاً نورانياً يؤهله لحفر جدول سيضيق حتماً لو حاول استضافه هذا النهر، بالرغم من ذكر فقهاء الفن وبسملة من يستبسل في الدفاع عن حصونه أمام هذا الأثم وبشاعة ما استشرى من كتابة لا تذعن لعته الفواصل والعتبات بين أجزاء الجد الواحد الذي لن ينبض دون إيقاع القلب ولن يرى دون بصيرة الأفق ويزدهى بكل ما هنالك من أعضاء الظن، بالرغم من هذا كله،

نهض النص

فترفقوا إذن ودعوه لا يؤسس له حتى ينهض مرة أخرى وأخرى ويمعن في نهضة الخلق ممتشقاً زوادة النظر الذي يدخل بسجية الكشف.

صعب هو النص:

عندما تكتنز تجربة الكتابة بعناصر الأبداع بكل أشكاله الفنية، وتكسر إيقاع الوحدة التي كانت تحد الكتابة ضمن ماهية نوع أدبي مقنن سلفاً بوصايا ووصفات نقدية لا يجوز تجاوزها وذلك لضمان استمرارية الدخول اليها بذات الموازين والأعراف المتفق عليها.

في هذه اللحظة التي يتحقق فيها الفعل النقض تنصهر ذخيرة. الكاتب ودواخل ما يبديه من تلمس للأشياء من حوله الى درجة الحضور المطلق عندما تتبادل الأشياء معه الأدوار.

إن هذه الجوانب التعبيرية تتجلى في اتساق لا يتسق ووحده تتشظى، لولبة على كافة المستويات فنياً وفكرياً وجسدياً.

هذه الفعالية النصية لا تخمد عندما ينتهي الكاتب بل تستمر لأنه حوّل الحالة الى جسد آخر لا يقل توتراً عن جسده الذي يحتل الهواء، بل ما أن يقسو على الورق حتى يحفل به جسداً آخر غير خالقه.

في اللحظة التي تعي الكتابة أن هناك من يطرق الفعل، تفتح، فلا نرى أحداً

وعندما نطوف البيت، ويصطحبنا هذا الصخب، نتيقن من هذا اللاحد.

إنه الهواء يلهو بك.

كيف أن تصف الهواء أو تجتزئ منه مالا يقبل الابتعاد عن فضاء اللهو؟ ان هذا المحال يعترينا أمام تجربة النص بالذات لأنها: ما يقتحم جذوة الروح ويتقد ببصيرة الكلام. هي الحالة التي يحتدم فيها العالم بين يدي خالقه فلا يرى غير أن يبتدع شكلاً شاسعاً قادراً على الخفق بما يحفل به، دون أن يدري ما يحدث. لذا يحتفى النص بكل أشكال الكتابة التي عليها أن تسعفه باتساع مداها، حيث الشعر والقصة والرواية والدراما والفن التشكيلي وتقنيات الفن السينمائي وما لم يؤسس له بعد، ومالم يكتشف من منافذ الإبداع.

صعوبة أخرى تخص تجربة أمين صالح الذي يبصر ابداعياً كل هذا التربص لو ميض يديه وهي تنحت طين التجربة وتبتكر ما يحتمل اتساع الرؤى، لهذا نراه يمعن بكل الطرق مهما أشتد أوار الجنون، ليقذف بحمم الخديعة في جسد من يبتغي الدخول الى عوالمه.

هي هبة الطبيعة حين تمسىّ الخلائق بما وهبتك من صنعة لا تضاهي في نص لا يرفق بنا.

صعب أن تكتب عن الهواء كأنك تراه، ربما لن تفهم شيئاً ولكنك تحسي بشيء ما.. هذا الحس قطرة المعرفة الأولى التي ستتصل بغيرها حتى تنغمر بما ينهمر في داخلك، نهر هواء يجيش، تفهم مالا تفهم، مالا تقدر أن تقول للأخرين، رهيف لا يخضع، ليس ما يحتمل القول، بريق لا يرأف بوميض الروح.

لذا يستدعي النص الجسد نصاً جسداً أكثر رأفة به، يقابله كمرآة بلا خديعة القصدير، يستشف روعه حتى يغلغل فيه ما فيه

لم يعد هناك من جدار بين النص والقارئ

لم يعد هناك من ثأر بين النص والناقد

ثمة جسدان لهما أن يكتشفا كيف عليهما أن يومضا معاً برعشة الكشف. ومن هنا تأتي صعوبة النص لمن يعتقد بغير ذلك، ذلك اللا مفر.

كلما تهيبت من هذا الفعل حرضتني مهابة النص.

كلما تفارت مني نوافذ للفتح غامرت بقابلية التناغم حتى غام البدء وماج المنتهى به.

أولاً: تقنيات النص:

ينهض النص على تقنيات يعتنى بها لتزوده بقابلية إحداث تأثير نفسي وإدراكي لدى المتصل به. تحتضن تنوعها موازنة تمتثل لها هذه التقنيات، لذا أعول عليها في خلق التكثيف النصي الذي سنكتشف أهميته عند مطالعة عناصر النص وكيفية تدفق تناقضاتها دون الأخلال بوحدة البنية التي رعت كل هذا التشظي.

هذه هي الفعالية النصية التي تنادمت حولها اللغة بقدرة البوح، وما تجملت به من دلالات:

فعل التبلر- قبان المعرفة – خاصية النفاذ

فعل التبلر

(على مستوى الكلمة، المعنى إيقاع الصورة، الأشياء والعلائق بينها) نراه ينشأ من توتر دائم ومتصاعد، فائق الحساسية، يلازم ما يتقدم من النص ويشعل الذرات المتشظية المتصلة بين الأصل مركز الخلق – وحد الدائرة التي تواصل اتساعها في شاسع الصدى.

هذا التجاذب والتنافر بين الطرفين يحدث التبلر دون أن يكف عن الحركة. ما تراه صلداً تحس بترف اتقاده من كثيف ما تعرض له في بؤرة الخلق، ليس التناقض بل ما يأتلق منه، وما سنراه من مطابقات على مستوى كل تقنية آتية سيدلل على تمثل هذا الفعل وكثافة حضوره في النص.

اختراق أمين صالح لم يمتثل له في اللغة، وان فاقت الآخرين لطبيعة السحر الذي يضمخها ولكنه غلق محاور النص الأخرى بهذه الفعالية التي أعتني بها.

خاصية النفاذ :

ما تراه ليس عتماً ولا ضباباً. المفاتيح معلقة على الباب تتأرجح ظلالها على العتبات ولكنها متعددة، لك أن تفتح الباب الواحد بمفتاح جديد في كل مرة وترى مالم تره من قبل.

نفاذ لا يستقر، متواتر ببساطة أكثر مما تعتقد، ولكنه مذهل لتعدد مسام منافذه. هذا هو حرص النص على التلاقي بالآخر الذي عليه أن يحرص أيضاً ويكتشف طرقاً أخرى للتماس.

كتابة امين صالح صعبة ومضللة ولكنها غير ضالة، هي تؤجل وتراوغ في الإفصاح عن كنها إمعاناً في متعة الكشف.

قبّان المعرفة:

يتوسط هذين القطبين حالة من التعاطي المعرفي يعتري المتأرجح بين فعل التبلر وخاصية النفاذ، ولا بد زن يصطدم بوهج كل منهما وهما يتبادلان حرية مشاكلة هذا النافذ للنص لا ناقد له، فاحتمالات هذا النص لا تنتهي لنقض النقد الذي لا يلجأ لذريعة التحدي.

وأخيراً لك أن تنشغل. قبانك معك فافعل ما شئت. بقدر ما يشغلك النص بالمعرفة ومساءلة حوافها الصعبة بقدر ما يبدو أنه لا يكترث إلا بعبء خلخلتك وشرخ هدأتك.

المعرفة هنا مؤرقة لا تتصل بأبجدية اللغة وتفاسير النحو.. وهي نوع من تلمس الظاهرات التي تطيش من احتكاك المعنى بما يشغله من حركة الصوت. فافعل ما يحاو لك.. زن كل هذا البوح. فلن يتوقف عن طرق فولاذه المشتعل من حولك.. وهذا الشرر لك.

في اللغة/ في القول الذي لا يقال:

لغة الندماء تستمد طراوتها ودفقها من لغة أخرى لا نراها لكننا نتلمس حضورها الكثيف، أو مثلما يقول فاليرى ((لغة في اللغة))، وما يفصح عنه أمين صالح بطريقة أخرى ((هاهنا نصنع من عجين اللغة. لغة أخرى)).

هذه اللغة تنسج بنيتها بعيداً عن إشكاليات اللغة النحوية التي تستمد منها – بدءاً – حياتها الخاصة،

ولكنها تخلق تفاعلاتها المغايرة في الشكل والمعنى. لذل نرى النص يقول كثيراً وصدمنا بواقعيته ومباشرته أحياناً ولكن من الصعب أن يقال، لأن ما يصلنا (الشكل المتخيل، المعنى) متبدل، زائغ هاذي والأصعب ان اقتطع مثالاً على ما أحسب أنه يستوفي هذا الكلام، لأن لغة النص لا تنهض باقتطاعها من هذا الجزء أو ذاك، ولكنها تنهض ككل يرفض الاجتزاء، فلن تشعر بالدفء ان وضعت في يدك قليلاً منه.

تعتمد هذه الخصوصية على تقنيات اللغة الشعرية بمظهرها البدئي الذي يمعن في تقصي الدلالة الأولى للكلمة دون شحذ منتهاها بل البدء منه أيضاً والمباهاة بتناه نبضه، محاولة أمين صالح واضحة في هذا النص البكر ودرجة اقترابه وابتعاده تدلُ على مجاهدة التحدي.

في كل شيء يوجد الشعر بأفقه الذي يقترب من تعريف الشاعر ((شيلى)) في مقاله. ((دفاعاً عن الشعر)) بأنه: ((يدل على العلاقات القبلية غير المفهومة للأشياء ويعزز استمرارية فهمها الى أن تصبح الكلمات التي تمثلها عبر الزمن إشارات لأجزاء أو شرائح من الفكر بدل أن تكون صوراً لأفكار تامة)).

وعندما تلتمع ذخيرة الشعر، تتخفى اللغة وتتبدى فيما يشبه القلب وهو يبذخ في خفقه دم الكلام. هكذا تقرأ وتقرأ حتى تخفق معه دون أن تلاحظ ما يحدث لك لأنك لاه في إشكاليات أخرى يسفحها النص (سنتعرض لها فيما بعد)، أما فيما يخص اللغة فهي كوكب الجسد الذي يقتادك وأنت صاغر له. أما كيف تؤسس اللغة وتبرز جماليات هذه اللغة الأخرى، فسنراه عند تقنيات اللغة ذاتها:

صهوة الصوت:

ما أعنيه هنا حركة الكلام كشكل صائت وإن تمثلت صعوبة عزله عن مؤثرات حركة المعنى والمتخيل، ولكن لنستشرف قليلاً إمكانية هذا التشوف البعيد عن عسف الفصل، لضرورة تقصي محتملات النص التي تؤكد على هذه الحركة بشكلها المعتزل عن بقية المؤثرات.

سأورد أربعة أمثلة تتطابق وتبدل الحركة التي تتصف بها نصوص الندماء كلها كتقنية هامة اعتمدت عليها. كل مثال يسرح بحالة ما، يانعة بخصوصية الصوت الذي يغمر النص بتلاوينه الشديدة الغرابة، لنسأل؟ لماذا وأنت تقرأ تقتحمك نفس. الحالة المتوترة، تلك التي فتكت بأمين صالح حتى يبدو لك أحياناً إنك تراه جالساً يشغل فضاء النص، لا يصغي لروعك وهو يصوغ نص الحلم، لا ما يشبه الحلم أو ما يكتمل منه.. ها هو متشح بنظارة مرهقة تسكب ما يراه الرأس فتبتعد وتحاذي الهامش قبل أن يهتك حوذيه رعدة التفرس في جسدك.

لماذا؟ لأن الصوت مزدان بصهوة الحرف الذي تهتز بحدة (في النموذج الأول) بفعل جنون الحرف وهو هنا يتجاوز ليصنع هذا الإيقاع الجارف الذي يشهر غبار أفراس غير مرئية. التجاور يخضع أيضاً لحضور الحرف ضمن قانون خاص بمخيلة الابداع التي تبحث عن صيغة تحدث نقل طاقة الفعل الى الأخر.. هذا الأمر بحاجة لتقصي مقتدر أكثر من هذا التلمس الذي أنا بصدده، وذلك لفك عزلة هذا التحدي الفني والنفاذ الى خاصية تخلقه.

١-عابقاً بسيرة عشاق باسلين (ع ب، س، ع، ب، س) يجو بون قباب الغابات (بون، باب، بات) وراء أميرات نهمات (راء، رات، مات) يلقحن أثدائهم (حن، هن) بزبد نقي بحليب أنقى (ب ب، ن ق، ب ب، ن ق) ممتقعات مرتجفات (م ت ت، م ت ت) حياءاً حبوراً (ح، ح)

يسفحن فضاء الجسد ليسرح (س ف ح، ف، س، س ح) روابيها ترفاً ووجداً (رو، ر، و)

لحساسية ابداعيه تتصل بالحروف نراها تستدعي رفقائها في الكلمة التي تليها أو التي تلي ما بعدها، هذه الحروف تحمل حساسية صائتة خاصة بها، بشكل مستقل عن أية إرادة واعية للكاتب الذي يخضع بدوره لخبرة الذاكرة الإبداعية في تشكيل نسق لغوي جل ما تُعنى به وتحرص عليه أن تبدع في خلق علاقة ودلالية جديدة في كل مرة. والأهم من ذلك، أو ما يؤجج حرصها هذا، أنها تنزع نحو تجسيد حرارة وديناميكية جسد الكاتب/التجربة لتحتضن به هذا الأبيض المغوي والمتحدي لمهارتها.

هذه التجاورات تفاجئ الكاتب نفسه وتجره حتى تهدأ من ذاتها وتأمره بنقطة سوداء تضع حداً ليس أخيراً لما سيحدث فيما بعد.

ثمة وعي بصدفة التزامن هذه يتمثل في صيرورة الجملة نفسها، فبؤرة الخلق لا تفتعل إيقاع الصورة، انما تدفقها في شباك معقدة تراعي أو تحاذي تصاعد الحالة وربما تبتكر لها طرقاً أخرى تحتال بها، مثل التحول المفاجئ في مجرى الحدث أو دخول صوت أخر، هو الذي يسعف عملية تزويد النص بجماليات صائتة تديم له حركة الكلام وايقاعية المعنى المتواتر هو الآخر، هذا يستدعي إطلاق المعنى كما يحدثنا الجرجاني في أسرار البلاغة ص ١٠:

((لن أيمن طائراً وأحسن أولاً وأخراً وأهدى الى الاحسان وأجلب للاستحسان من أن ترسل المعاني على سجيتها وتدعها تطلب لأنفسها الألفاظ فإنها إن تركت كما تريد لك تكتس إلا ما يليق بها ولك تلبس من المعارض إلا ما يزينها. فأما أن تضع في نفسك أنه لابد من أن تجنس وتسجع بلفظين مخصوصين فهو الذي أنت فيه بعرض الاستكراه وعلى خطر من الخطأ والوقوع في الذم.

٢- ((بوح خفي، بخيل يطفر مع وميض انوثتها. وسر العشق لم نعرفه بعد موت سحابة خضراء، كانت تنقل المدن التي خربتها الدسائس والحروب الأهلية، ورشقتنا بأعشاب ندية ثم مضت على عجل. عندئذ فقط رفعت)).. هناك عجلة ما.. سرعة الصوت المتناغم في المقطع الأول يتحول في هذا المقطع الى عجلة متقطعة لاهثة)) بوح، خفي، بخيل، يطفر، سحابة تمر، تنقل المدن، ترشقنا بالأعشاب.. تمضي على عجل. هذه العجلة تهيئ لحركة سريعة أيضاً لكنها لا تلهث مثلها بل تتلاحق باندياح خاص – ((رفعت عاشقة الذاكرة مرساة قلبها وتعرت في وهج احداقنا فشهق البحر بعيداً وانبثقت حولنا آبار ورد تهطل. منها الروائح بذخاً))

إن صون الكلام يتحرك في النص عندما يحتفظ بحرارة البدء ولا يكف عن التموج بما يمتع المعنى، ولا يعني هذا أن حركة المعنى هي التي تحدث هذه الحركة بما تحمله الكلمة من محمول نحوي أو دلالي، أي ابتسار في النص سأحدثه، لخضوعي الفج لغاية التضمين واستشراف الدليل لن يعنى، لأن المتعة هنا أن تتموج مع حركة الكلام منذ البدء حتى الأخر، فلا مجال لاقتطاف نماذج لهذا الامتاع.

٣- ((والنساء الصبورات- حاملات الدلاء الصبورة- كن ينتظرن عند مساقط الشلالات القاحلة هبوب الماء.  أيتها المعمرات، قلت انتخبت واحدة تمشط شعري قبل هطول الشتاء. بدلاً من ذلك، لذن بالفرار، على الجسر وقفت أحرس حاجز العبور أشعل لفافة وأرمى الأعنة الى غزالات هائجة ترفس أطراف النهر. كنت الطلقة الملتهبة دون ما سبب))

هنا يتحقق التضافر الذي أعنيه بين حركة الكلام وحركة المعنى، فالكلمات تبيح لتجاورها حضور الوقت الذي تشعر به وتمسى هدوءه، وتمثله في الفعل الذي ينسجم مع ارتخاء المشهد المديد.. المترقب.

وقت ثمل، دحرجة. للكلام:

نساء صبورات – حاملات دلاء صبورة – ينتظرن عند مساقط الشلالات القاحلة هبوب الماء على الجسر – وقفت احرس – حاجز العبور – أرمي الأعنة – ترفس أطراف النهر.

وأنت تقرأ تتخيل الطرفين ضمن حركة متسقة فالكل ينتظر عند الشلالات قاحلة هبوب الماء (تحقق الفعل) ويتمثل التماس الذي يخلق التنافر في (قلت: انتخبن) والتي نتيجتها: ((لذن بالفرار)) تقلص المشهد: حركة: تحقق فعل أخر – كنت الطلقة الملتهبة بالحق دونما سبب.

هذه الصلة التي دفعت لتقلص الاتزان المرتقب بين الطرفين اشعلت الطرف الذي بقي منتظراً فكان)) الطلقة، وقد حفزتها طبيعة الكلمات وتواترها وطريقة المعنى.

٤- ((لكنه، برغم كل شيء لم يتدفأ بعد بالفرح. قلبه الرهيف يحتدم بحلمتي امرأة لا يعرفها يسفح توهجاتها في شفتيه الظامئتين وتهدل بعذوبة: أحبك أحبك. كذا يعتزل في المساء، المساء الرفيق، ويحدث نفسه همساً)).

تشي الكلمات بهتف الهمس الذي تنكسر فيه غلالة الصخب التي يدفعها النص وهو يصف فيما لا يشبه الوصف، مناخ الحوذي وخوارقه ليصل الى حالة اغتراب وانكسار يستدعي طبيعة هارمونية شفيفة تنداح هكذا مفعمة بكل هذه ف، س، ح، ه، وما يبعث بينهما من ههة ودودة ورفاهية المشهد.

هذا البعد المتعلق بصوت الحرف وصدى المعنى الذي يتردد في دواخلنا حتى وان لم ينطق به بفعل مكان ما في ذاكرتنا يحتضن ارث الهتف، يتحقق لبعد آخر اغتنى به النص، ليس بسبب خبرة التخيل التي يكتنز بها امين صالح بل لحساسية اللغة نفسها التي لا ترضى بأن تكتب المتخيل بل تلعب معه بقابلية بذرتها (الحرف) على التخلق سارحة بخيال الكلام كتشكيل صائت.

تتبدل حركة الكلام في نص الندماء بما يتفق وطبيعة الحالات التي ترتادها العناصر في كل نص لترافق حمى الحدث وتزدهى بحضورها الفاعل في نحت المشاهد، هذه الأمثلة نماذج عن تباين الحركة في كل مقطع للتدليل على خضو النص لأسر هذا التشوف اللغوي بسحر الشعر الذي تخلق فيه.

صورة الصوت:

لا حد لصورة الصوت الذي يغريها النص، فهي طقس الكتابة في تجربة أمين صالح التي تتفرد فيها القدرة التخيلية بتمثل ذاكرة بصرية (سينمائية)، فنراه يتجول بعدسة الكلام ليلتقط مشاهد لا يسعنا الا اللحاق بها والتعثر بشراك لا يغفل عنها في زخم ندمائه.. هذا اللمح الهام الذي تأصل منذ تجاربه الأولى، وإن اتضح في ((الطرائد)) و((العناصر)) حتى ثنائيه ((الجواشن)) مع الشاعر قاسم حداد، بحيث تحول الى جذر يمد نسغ الابداع لديه بتلاوين البذل.

وهنا من نص الندماء تتجلى صورة الصوت على مستويين الأول: يتعلق بخيال اللغة نفسها والآخر بخيال المعنى.

ما يصنع الكلام:

((يامليكنا المعطر يامن تمهل المسلات ثوان كي تثمر لك الزيزفون وللمملكة ابراجاً بحجم بابل))

(كابرت واستشرت الجدي في شؤون الكواكب واملاح الشلالات، وها انت مع الجدي في الشرفة – مأسورين بالخادمات اللواتي ينشرن الثياب على تخوم العالم ويثرثرن في شؤون الاقتصاد والانجاب))

((سممت بحارنا بخميرة طغيانك. نذكر: جئتنا في بهاء الريح وأعلنت نفسك سيد المحاريث. لمنكن نملك ما تساوم عليه. لكنك ساومتنا كتاجر خبير))

هذه التجاوزات بين الحروف لا تلهم المشهد حركته فقط بل تثير خيال تشكلها الخاص، كأنما الكلام ينقش خيال الحرف في تجاوره وخيال الكلمات التي ليس موروثها هو ما فتت أمين صالح سطوته ولكن ما يتناسج منه في بدعة النص الذي يلتقي ويتنافر بخيال المعنى. عندما تتلمس اللغة طريقاً تصعد منه في تدرج الأخيلة لتساهم في هذا الشكل التخييلي بطاقة الحرف على التجلي والإفصاح عن مكنوناته الإبداعي بشكل خاص في مؤازرة خفية تجهد لتصل الى ذروة الاندلاع ثم تبدأ عند كل حالة من حالات عناصر النص تفرض ذات اللعبة.

(خميرة الطغيان) (بهاء الريح) (سيد المحاريث) (مرصع بالهرطقة سيبحر) ان متاع اللغة وكبرياء التمثل الذي ترفل به وبسر نفاذه يسعف النص في تعميق ما في الخيال هذا وذلك بفتح أفق اللفظ، الكلمة ذاتها في الصورة الفنية لتنفرد عن خيال المعنى.

ما يصنع التخيل:

((الذي اريده بالتخييل ما يثبت فيه الشاعر أمراً هو ثابت أصلاِ ويدعي دعوة لا طريق الى تحصيلها ويقول فولاً يخدع فيه نفسه ويريها ما لا ترى))

هذه هي اللغة الشعرية وقوامها التخييل كما يتعرض لها عبد القاهر الجرجاني في أسرار البلاغة ص٢٣٩.

يعتمد النص على الصورة الفنية وما تبديه من دلالات ومناخ تخيليي يتعلق بطبيعة اللغة الشعرية وايضاً يحظى بالمونتاج كتقنية فنية خاصة يعمد أمين صالح من خلالها الى تكسير المشهد والقطع المستمر بذائقة كولاجية تتفرد به.

على عكس استمرارية الصور في النصوص الأخرى ((كالعناصر)) مثلاً التي يستمر فيها عرض ضرورة الصوت وامتداد الصورة وقتاً أطول قياساً الى هذه التجربة، وهذا يأتي ضمن سياق تجربة الندماء الي تفرض هذا التوتر لاكتنازها بالتناقضات التي على عناصر الندماء أن تشعلها في تضادهم ومكونات النص.

تصوير متدافع بثراء وفاعلية الكلمات، كل ما يتداعى من معنى في خيالك تنساه وأنت تتمعن في منظر الكلام.. ترى حلم ((الحوذي)) الذي يرافق فعل جياده الجامحة (رؤاه) في الخارج وهي ((تشعل المدينة بيتاً بيتاً)) انتقال العدسة المفاجئ هذا أشعل حتمية تحقق الحلم الذي لم يزل يتسع في مخيلة القارئ.

  • ينام الغريب مانحاً راحتيه لدغدغات امرأة تهبط من السقف/
  • فيما يبدو الولي ماهراً في قيادة الظلال السلوقية/عقبان الأبابيل تحوم في الأعالي لترصد التاريخ وهو يتقاطع مع الجغرافيا/ ملك يرتقي عرشاً فخماً قابلاً للأسطورة/.

ليست هذه محض صور، ولكنها أصوات ايضاً. يمتزج الصوت بطاقة التصوير ويتوارى المعنى. الصورة هنا تستبسل في سبيل مضاهاة المعنى الناجز، متحاشية كل تفسير يفسد الأصل الذي لا يكف عن إرسال أصداء ضلاله.

المشهد يبدأ هكذا:

هي هناك في الشرفة جالسة/ المرأة العجوز التي ستموت في يوم غائم/ بين مزامير احفاد غائبين/ تجلس في الشرفة تلاطف زرافاتها التي تمد عنقها المبقع بالحناء تأكل قبعات المارة/ ألفنا منظرهما البهيج بينما تلعبان الشطرنج/ تتحدثان حديث النبات للنبات/ تركضان مثل راهبتين ترتقان بالصلاة/ حشرجات قوم شاردين/ في الزنازن يحفرون أنفاقاً لانهائية..

وأنت لا تقوى على الإمساك بأعنة المعنى التي يزيحها الكاتب لتوغل معه فيما هو أبهى، لترى معنى المعنى، وتشرف على أسر اللغة التي تفصح عن مالم تقله بعد. ((فالمعنى هو المفهوم من ظاهر اللفظ والذي تصل اليه بغير واسطة، ومضى المعنى هو أن تعقل من اللفظ معنى ثم يفضي بك ذلك المعنى الى معنى آخر))

-(دلائل الإعجاز) ص ٢٠٣ – الجرجاني.

ثمة حالات عديدة وعناصر رئيسية في النص، كالحوذي والعجوز والأحفاد والملك وغيرها، تراها ملتفة بحالات أخرى وتفاصيل. صغيرة لا تقل عنها اجتراحاً ومرحاً وبؤساً، فالعدسة تُعنى بتفاصيل. المشاهد وتثق بقابليتها للبوح، مما يكثف حالة العنصر الرئيسي في النص.

في ((الدليل)) مثلاً: ((غيمة تطرق باباً.. لا أحد يفتح)).. بعد هذه الصورة تنهال مناظر قصيرة تسفح المشهد كله بأقصى ما يمكن منحه لهذا ((الدليل)). نرى نهاراً مترعاً بالبرد/دخان جواميس ترنو الى فجر يصعد حثيثاً درجات أفق فضي يمازح اقواس قزح مسافرة/ حظائر تستيقظ معاً/ تدعو قاطنيها الى المرج وسحل السماد الثلجي بالأظلاف والمناقير/آن يتدافع الأهالي مسثمرين. عن سواعد النهب صوب التلال/طيش الهداهد/ نفير صيادين يطارد الفرائس/..

هذه الذاكرة التصويرية التي ترصد الحدث؛ لا تبتكر تقنياتها من دوافع التداعي بحرية آلية وتخبط بصري مما يربك النص وشيع برودة ذهنية متقطعة الانفاس هي مستفحلة في العديد من التجارب الحديثة، وانما تحتكم في عملية الرصد لمحاورة عناصر النص التي تتشاكل مع بعضها وفق تراكم تصويري يحوم بأخيلة اللغة حول فعل التقصي ذاته؛ ليهب اقصى ما لديه لعنصر جديد داخل النص، كالملك مثلاً في ((الخسوف))، فيحاذيه تارة وينقضه تارة أخرى حتى تكتمل اللوحة، فلا نستأنس إلا بعبء الملك الذي مهدت له كل هذه التصاوير.

نهر الدلالة :

ان القدرة التوليدية لدلالات النص لا تقف عند محتملات المعنى والصورة والكلام الذي ترفل به الطبيعة الشعرية، ولكنها تلهو ايضاً بدلالتها لتحقق فعل التبدل او التحول في نهر الدلالة الذي لو عدت الي أي جزى منه سبق لك أن رأيته، فلن ترى مثله، بمعنى ان كسر امين صالح لدفق الدلالة بأشكال مختلفة يغيب آخر خيط شدّ به المتصل بالنص، فاذا هو استمر إضاعة، وإذا عاد اليه امسك بسواه. التعدد الدلالي ليس ثابتاً على مستوى الصورة الفنية كما يحدث عادة، ولكن هناك خلخلة (وإعادة بناء) على مستوى تصاعد الحالة في النص ذاته.

أحد دعائم هذا المعنى، في اعتقادي، هو هذا التبلر النصي الذي لا يتيح فراغاً لأي رتابة، بل يزدحم بالصور التي تتقاذف بك، وتقصيك مكتنزاً بالدلالات، لتمضي وتنسى، بفعل دخول مفاجئ أو انتقال آخر، لتسأل! ما الذي امسك به الان. هذا التحقق يكون على مستوى النص ككل، فالأجزاء يفسد كدليل، لذا اكتفى بذكر النصوص التي تتجلى فيها مهارة الدلالة ومنها: الخسوف، ندماء المرفأ، نزهة الطوائف.. التي يبدو فيها هذا المنحى أكثر نصوعاً من سواها.

انزياح المعنى ونجاته من شراك الكلام

((قالوا: فتى ساحر حول الدجاجة الى تنين وامرأة الفران الى بقرة/قالوا: فحل لا يضاهى بسببه لم تعد في المدينة عذراوات/ طفلاً خارقاً كان/ آخر سلالة الماء والنار/ مديداً بلا احتشام)) ((قالوا:

هراء ما نسمع. الحقيقة مطمورة تحت قوس البئر/ بيدنا نفض بشرة الغامض ونفشي السر، ليس بساحر ولا بعاشق/ خيل الينا انه حاو/ كان يرتعش خجلاً/ مراراً شعرنا بالحرمان الطامح على ضفاف شفتيه/ كلما غذى خياله بطيف امرأة تتجرد من أثقالها وتهمس له تعال، حتى في تلك اللحظة لا يجرؤ أن يلمس))

هذه الخلخلة يبتكرها امين ليمهد لتطواف يخترق الحوذي، وهو بكسر اتساق القول يدفع بهالات دلالية كامنة في اللغة ذاتها والتي تطوف حول محور الحديث. يحدث هذا على مستوى الفقرات والصورة الفنية والثنائيات من المفردات التي يحلو له مشاكستها. فنحن نجد الحوذي قد علد الى غرفته ((متعباً تاركاً جياده في الخارج تقضم الشارع حجراً حجراً)) ثم نعلم بأن ((لا حصان لديه لكن حسبه ان يبني يهدهد احياناً نومي)). بعد ذلك عاد ومعه أربعة جياد مرقطة حبلى بحمحمات تبعث حزمة من اللهب، ولم يكن هذا إلا! ((وهماً.. / لا تجعلونا نصدق ان فرداً قادر أن يروض كائنات مخلوقة من ناره وهكذا.. حتى ((تركهم يخوضون فوضى التأويل مثل أكباش تتناطح)). هذا التباين والتنافر هو الذي يؤجج النص ويلاشي المسافة بينه وبين المتصل، الذي يسعى بفضوله للتحقق دائماً مما يحدث وممن يتخاطفه بلغة توحي بدهاء الصدق، الذي سرعان ما يكذب هو الأخر، ليحلو له أن يلعب معنا بنرد التأويل.

في نزهة الطوائف هناك جملة في آخر النص تكفي لأن تدفعنا لقرائه النص مجدداً ضمن التكييف الجديد الذي يقترحه علينا امين صالح: ((هكذا.. حول المائدة يتنزهان، يطويان الحاضر ويتقاذفان بالذكريات، وحين يباغتهما الضجر يتبادلان الأدوار)).

وكنت قد قرأت هذا الاقتراح في مقدمة النص: ((القاتل والضحية حول المائدة يتبادلان الأدوار))

ولكنك لا تشعر بفداحة المشهد حتى يزج به في أتون المسافة بينهما، وتختبر بطيئاً بطيئاً ترنح الأطراف ودوار التجربة لتفاجأ بقابلية ما يعنيه امين باقتراحه الذي يتحقق لك حين يهدد اتساق التنافر بين الضحية والقاتل ويوحي لك بأن تعيد ما ترى، مزحزحا المعنى، لاعباً الأدوار على طريقتك.

وعلى مستويات المفردات، لا تكتفي اللغة بانزياح المعنى وفتح منافذ التأويل ولكنها تسرف في شحذ الخوارق وخلق التضاد بما يغنى المشهد الصوري. ((يا لنضارتها: نعنى العجوز الجميلة، المرأة التي ستموت في يوم غائم/ ارضعت كل أطفال الساحة/ تروض العقارب/يستضيفان معاً زنابير لاهية/ارث موتى وسيمين/معاً نخطط لقصف قصري بالمنجنيق / أعرف ان أقود الثورة ضدي/ المدينة المباركة الى هذا الحد، الملعونة الى هذا الحد/ كوابيس النهار/ بيت يشرشر دمه في الميزاب/ يسمى النار ثلجاً/ حلمت أني زوجة مغامر لم التق به ولم أر وجهه ابداً لكنه كان زوجي الذي احببته كما لو أنى خلقت. لكي احبه/…،

لكن الامعان في هذا الفعل قد يتسبب في المزاحمة بين المفردات والصور والمقاطع، يبرز جماليات دلالية تشعر بانقطاعها وصعوبة الاتصال بها، مما يخل بفاعلية الأشباع المرجوة من اللغة، ففي بعض المقاطع نجد اكتظاظاً صورياً، حتى فيما يتعلق بالمفردة، فالتجاور احياناً لا يتيح فسحة لتشظي الدلالة وتوظيف المفردة بشكل مبدع، مثلاً: ((في صباح الصعتر والنرجس يمشون خفاقاً على العشب/ كنت تلتهم وقتذاك فطائر محلاة بالزبيب والأناناس/ نحن الطاهيات المبللات بالخرز والبراعم/ اطعمناك في سبائك الأرز والزيتون))،

ان الانتشاء الذي يحدثه صباح الصعتر يثيره ما يفعل الصباح بالصعتر بالصعتر بالصباح في عملية تبادل الصفات والطبيعة للخروج من هذه الرفقة اللغوية والإيحائية بحالة أخرى في الصوت والصورة، فاجتلاب الصباح. للصعتر جاء بفعل صوت الصاد وبدافع نشوة هذا الصباح بما يتألق معه من ضوء حاد مثل استخدامه ايضاً. ((صعتر الفصول)). ولكن ((النرجس)) جاءت خابية، محكومة بفتور علائقي، حيث لم يسبقها أو يليها ما يتيح لها دلالة خاصة، ويفجر محتملاتها، في حين ان ((طاهيات مبللات بالخرز (فعل ماطر – الخرز، مطر) يخلق تفرع البراعم التي نشعر بأهميتها لتجمل الخرز. هكذا تتحول مسألة مزاحمة الكلمات لبعضها، الى عائق امام القارئ والمفردة التي. لا تجد حرية الحركة، وكذلك عدم توظيف بعض المفردات والاكتفاء بمحمولها القاموسي، وما تسبغه عليها الدلالات في النص من احتمالات.

ونتلمس اهتماماً خاصاً، وعدم اغفال لهذا الجانب، في أمثلة أخرى: جرار تجرجر مؤخرتها سبايا بلونا. الفستق، املأ جيوبي بحبات هال وأهيم، ثمة صيارفة يبسطون المعسكرات كالسجاد فوق جماجم من صفيح، الموعود بتمرة وديك رومي.

ثانياً: طبيعة العلاقة بين أمين صالح والنص

(أنا ووراء الأشياء البسيطة، أختبئ كي تجدني

وان لم تجدني، فستجد الأشياء

ستلمس ما لمست يداي وستتقارب مسالك أيدينا)

ريتسوس

اذعاناً لحرية عدسة الكلام، يتخلى امين صالح بوعي الخلق عن اتصاله بالنص- كبنية تقليد، يفوّض علائق جديدة يخلقها مع كائناته لترسم مسار الكتابة، ولتحقق ذلك يقتضي:

أولاً: ((أن تكون القصيدة هي الوقفة في حركة الزمن)) كما يقول باشلار والتي تغدو معه تجليات الكاتب مرهفة الى درجة استنطاق الأشياء وتبادل متعة الخلق معها، انها وقفة رائقة، تعيد صياغة العلائق بالدلالات، مثلما يحلو لغيللفيك أن يروي لنا:

((عندما أكون وحيداً لا أضجر قط، فأنا أعيش مع الصخور والأفق والأشجار، قال لي احد الأصدقاء: زنني اكتب قصائد الله. حقاً أنني أعيش الصخرة كما لو كنت أنا الذي صنعتها.))

في علاقة مع الأخر من هذا النوع، في حميمة الاتصال بأشياء الواقع واشياء الحلم، يتأسس راء جديد متبدل، يعصف بأية رتابة محتملة في النص، يمحو ذاته من زجل عناصر تتجاسر وتتناوب على الاتصال بالكاتب والقارئ، وتطوي المسافة بينهما حتى الفقد. ثمة لذة محمومة لا نختبر إلا اليسير منها، لذة سرية، حميمية، خاصة بالكاتب وحده انها تكتب التجربة، وهو يرى يتلمس الأشياء الي تقاسمه لذة البدعة.

((تمعن أيها الغر، تمعن في الوهج الأزرق النابع من جبينها وقل بعد ذلك ان كنا نبالغ، ماذا ترى))

كل شيء له حق الاستئثار بظل الرائي الى حين، ذلك الذي لا نعرف ان له وجوداً. هناك من يهتف مع ((البنات الممتقعات حياءاً والمرتجفات حبوراً (..) هيا يا النبيل، تقوس واهرق لبنك)) ثم. ثمة من يذهب الى الهدف الهادئ: ((هش، أنى احلم (…) آمركم أن تصمتوا أنى أحلم)) هذه المنازعة بين الأدوار تبني عن تمثل حقيقي لحرية الآخر والأشياء (لا فرق هنا) في صباغة المشهد.

ثانياً: ان ينجح الكاتب في خداعنا بمدى بساطة وتلقائية هذه العلاقة بالأشياء، والتي كلما أمعنا النظر اليها استطعنا أن ندرك مدى قابليتها لتعرية دواخل النص، ومساعدتنا في النفاذ الى مكونات التجربة، وإدراك درجة التعقيد التي استلزمت بوحاً من هذا النوع. فبساطة النص في إثارة المشاهد تحتمل صعوبة غير بادية، ترتكز عليها موهبة أمين صالح الفنية. كل شيء قابل للإسراف معه في إعلان ما وقع عليه من سفك، قابل ان يقتص معه من هذا العالم.. فعل احترام الأشياء وحقها في حرية اللعن. والانسياق وراء الكشف عما تعرضت له من غبن، حتى لو انها مثلت النقيض (الملك، القاتل، الآخر)، فما أشد تفجع الملك حين يصرخ: ((يا ألهى لا حاجة بي الى كل هذا الفتن كي أكون قاسياً)). أو حين يهمس في آلم ((اكراماً لي، أين أجد حلماً عذباً يشبه روحي العذبة؟ ها وحيداً أملأ جيوبي بحبات هال وأهيم في مداخل العالم أقرع بصولجاني الذائب درجات الهيكل سابراً المعادن والزيوت وريداً رويداً أتشتت عضواً عضواً)).

كذلك في مخاطبة القاتل للمدينة. ((انتخبناك مدينة لنا ووهبناك الأناشيد والمخطوطات، صرت بنا الأشهى والأفخم، وما طلبنا غير الأمان، لكنك نسيت. قد نقول خنت. نعلم- من السفك الذي انقض علينا بغتة- أنك مررت هنا)).

هذه العلاقة وتلك تبيحان للكاتب ان يخادع ويتحفز بقصد التغرير بقارئ تعود على الأخذ بيده كالأعمى والتجول معه وشرح ما يرى في الهوامش أو في سذاجة الكلام المعروض عليه ضمن بضاعة كاسدة تسمى الكتابة أيضاً.. هنا الأمر يختلف، فالعلاقة لا تخضع. لشرط البلاهة بل تحفّز من يبتغي النفاذ اليها ضمن حساسية خاصة يبتكر الكاتب شواغفها، والمتصل به من قارئ وكلمات وأشياء.

٢- الحلم:

دائماً يؤسس الحلم مرتكزاً هاماً في كتابة أمين صالح، يتناوله كمؤثر رئيسي في كل تجربة بخصوصية تتسم به التجربة ذاتها وفي الندماء يباغتنا به، في كل نص، من خلال عدة مستويات، ساعياً لتنويع استخدامه وليعلن في منتهى النصوص ((أقبل بلا شائبة لأجعلك الرمز الذي لا يرمز لشيء، ولأعلن للجميع أني محبرة اليأس وان حديثي حديث حالم)).

مما يدفع للشك كل من يفترض ان الحلم عند أمين صالح يقف متعارضاً ومناقضاً لهذا الواقع الذي تكتشف عنه في النص/الحلم.

الحلم هنا رهافة النص الذي يرى فيه، بجلاء المكتشف، بلورة هذا الواقع- حين.  ينفض عنه شرائعه- وما يقيد خطو الحلم الذي يتقن سبر غوره، هو الجمح الذي يتقن سبر غوره، هو الجمح الذي يزهو به ويؤلف عالماً مثل مثل ندماء المرفأ ندماء الريح.. لا يؤلف بل يندغم في حمى جسده لنراه معهم يحلم، فنراهم ونحلم ((هش دعوني أحلم)) ذات تعرّي بقسوة ما تختزنه من قهر وانتهاك الآخر لها. الواقع لا يتجسد في تجربة أمين صالح إلا بقوى الحلم وخفايا المذهل من بدعة اللغة.

انه أكثر واقعية مما نتصور، وربما أكثر مما نتوقع أحياناً، وذلك لصدق تحسسه لإشكاليات هذا الوقت وجدّه تناوله لمجمل تناقضاته التي يرتكز فعل البوح فيها على: فطرة الوعي، غريزة الحلم، طفولة البدء، أبيض الكلام.

في كل نص نراه يشي الحلم بحالة العناصر: في (من ذا الذي يهز قاربنا) تتدفق الصور حين ينام الحوذي كالغريب، في (الخسوف) يتدخل لكسر اتساق النص ومباغتة القارئ ((هش لا توقظوني أني أحلم))، في (ندماء المرفأ) كان خيط النص الذي تعقبه الندماء حتى التهلكة، في (الدليل) سمعنا بكاء الحلم، في (غبار المدائح) كان الرضيع المخلوق بلا ذاكرة، ضيف السرير، الرمز الذي لا يرمز لشيء، ومن لا وصف له.

فعل الحلم يتحقق أيضاً في:

تآلف النصوص وكسر ائتلاف النص الواحد:

لثقة أمين صالح بأهمية اتصال النص بالآخر – هذا الجدير بشفافية – التجربة – يمعن في التخفي والمباغتة، يخادع استسلام واندياح هذا الآخر ويحفزه لبسالة التقصي في استشراف النص، ويتحدى ايضاً أي تعدّي نقدي يذهب الى كشف ندمائه بهوية العابث. يحدث هذا على مستوى النص الواحد الذي ما أن يمتد بهارمونية البناء حتى ينكسر. لا امتداد ولا تراكم، بالطرق المألوفة، ولكنه التلاقي الذي يكثف الحضور، زنه يدفع هذا الاحتيال الى أقصاه ولا يخاف من ضجر الجسد الآخر، ولا يأبه لمتقطع الأنفاس الذي لن يصل الى ذروة الفتح. ويلذ له أن يرى تقصف القراءة التي تجبئ بوهم مسبق يركل حرية الكتابة وينفر من كلام الحلم. سلالم النص مصقولة العتبات لمن يتناغم مع الشراك التي تتعثر بظلاله، ويفهم افخاخه المدوزنة على وقع الخطوات.

تداخل الأصوات في النصوص لا يخضع لطبيعة واحدة، فهي احياناً صوت من كان الرواة يتحدثون عنه وهو ينبثق ليؤكد ما قالوه او ينفى ما حدث. ويأخذنا لمنحى أخر – وهذا يتصل بحرية العناصر في سرد تباريحها التي يهيؤها الرواة لها.

في (من ذا الذي يهز قلوبنا) نسمع الأم وهي تتحدث عن الحلم (كم كان مديداً بلا احتشام شفيفاً ((كالندفة)) وصوت العذراوات: ((هيا يا نبيل، تقوّس واهرف لبنك))، وصوت الحلم نفسه ((لدغدغات امرأة..)) أصوات كثيرة في (الخسوف): صوت الاحفاد (نحن): ((يا مدينة الاسلاب يا مدينتنا. نحكي عنك قليلاً)). بالإضافة الى العجوز الملك، الرعايا، المدينة.

أصوات كثيرة في (ندماء المرفأ): صوت الندماء، ((تعال يا قارئ ابراجنا الكسول نرميك بلا هوادة في لغة المشهد)) وصوت المرأة: ((آه لو تخترقني الأجنحة لأشبك المسافة بالمسافة))

في (الدليل)، صوت الأشياء! ((حنانيك أيها الغازي المهيب قتلاً عذباً، قتلاً جميلاً، قتلاً لا يضاهى)) كذلك نجد الإلغاء المستمر لدور الراوي الذي خلق مشاركة جماعية تستل طرف المشهد وترويه في عملية استدراج لنا، لنساهم فيما نرى، ونرويه أيضاً: ((تمعن أيها الغزّ، تمعن في الوهج الأزرق النابع من جنيه، وقل بعدها إنا كنا نبالغ. ماذا ترى))

هذا ما يكسر التآلف في النص الواحد. أما ما يحقق التآلف في النصوص فهو فعل اختراق الحلم لها، والذي يتسع برؤاه ليثري كل نص بمعالجة خاصة به. هو حلم ندماء المرفأ ندماء الريح عندما يتعرضون لإشكاليات الواقع، فيدفعهم للصراع معه من أجل تحقق هذا الحلم. مرايا تتبع مداراتها وتتسق بتشظيها.

وهنا لابد من اثارة ما خلقه هذا التآلف في الوقوع في التكرار، أو الحالات المتشابهة، وقد لعبت طبيعة اللغة دوراً فيه، فنرى أن خوارق الحوذي تقترب من خوارق العجوز، و(رجل) الندماء في ندماء المرفأ، وكذلك طبيعة العلاقة (الصورة والوصف) بين المرأة والرجل في نفس النص، تقترب من المرأة والرجل في (غبار المدائح)، والعجوز والحبيب في (الخسوف)، وإن اختلفت ماهية الرمز في كل نص.. إذ تظل أجواء الانتظار- الغياب، الترقب – واحدة تقريباً في كل النصوص، وهذا ما سوف نلاحظه عند تناول عناصر النص.

عناصر النص:

جنون التواطؤات:

لوحة الغلاف مدخل حريص على الهاء المتصل بما هنالك، في النص، من تواطؤ مهيب بين سلفادور دالي وأمين صالح. هناك من يدعونا الى هذه المائدة التي تفترش جذع الصحراء. نخب فارغ وملعقة من معدن الخبرة التي لا تكف عن تقليب هذا الفراغ الرافل بنبيذ يشبه الهواء. هل جسد تخوضه حمى الروح، أم كأس خاشع لجلال المعدن الذي اخترق خلوته؟ أرى شسعاً صحراوياً تذيب عزلته ريح عابثة صفراء بفعل غبار أزلي لا يهدأ حتى يعاود انشغاله بتدويم العبث الذي ينحت قباب بيوت رملية مترعة في أفق اللوحة (النهب المهيأ للنظر). في قلب الصحراء أراه جالساً كعادته مطرقاً برأسه يصيخ لهمس الرمل فيما تقترب منه امرأة، متربة هي الأخرى بفعل هذا السر المصّفر بمداده الصحراوي. تقترب.. لكنها لن تصل كما يبدو بسبب تمدد المسافة بينهما، أو ربما لذريعة أخرى احتفظ بيها دالي حتى موته، ولم يوعز بها لغير هذا المتكئ على أكتاف وقته ينتظر ما سيصله. هذا ما رأيت في الجزء البادي من جسد اللوحة، أما ما يعتمرها من رأس مكتظ بجنون الكون فأراه غيماً عاصفاً، مضمخاً بسناج المطر، يبرقش سماء زرقاء، أو بحراً طائراً. كيف لها أن تمطر في هذا النقيع الصحراوي، وكل هذا اليباس مترف بالوحشة؟ ولماذا احتواه أمين صالح في تخوم الرأس، بينما الجزء الأخر في شكل العضد وعورة الكتف؟

هل لكي يتآمر – هو ودالي – على ما نحن بصدده؟

هذا ما يبدو. هل تمطر؟ لن، قبل أن يقبض الرأس بوميض الحلم ويترع جنون الغيم على ندمائه. أصل الندماء، المرأة والرجل وما يعصف حولهما من تناقضات تتشكل في صفحة هذه الصحراء. انه يدعو من يحملق ويرشوه بهذا الصندوق الأسود الذي يلملم غموضه، ويحتل جزءاً من متاع المائدة. ليقترب أحد. لينزلق ويفتح غواية النص برحابة النظر.

ينهض النص على محاور تكتشف إشكالية نقائض عديدة دون تحيز أو مداهنة لأحد الأطراف، بل تجلى زاخر على فضيحة البوح عما تزخر من ضراوة. تقع كل هذه المجابهات بين طرفين رئيسيين يخضع لهما الأخرون في عملية الشدّ والجذب:

ندماء المرفأ وندماء الريح:

تضاد ببين خشبة الخلاص وغواية المغامرة

ليست بدائية التناقض ولكنها توتر القرار، قرار التحول من ندماء للمرفأ الى ندماء للريح، ذلك حين يمعن الكاتب في التصريح عنه عبر تعرية رموزه من ملبوسات البسالة والافصاح عن هوية التشظي (الذات).

من ذا الذي يهز قاربنا:

في هذا النص يشعل أمين صالح طرف التناقض الأول: الحوذي، اذ يرتكب فعل هز القارب – الجسد الخامل – وكل ما يحتمل مقومات يصطرع فيها فعل البقاء قرب ما يعتقد أنه الأمان (المرفأ)، وكذلك فعل اجتياح غموض الأفق واتساعه المغرى بالرحيل ومنادمة الريح.

يخلق هذا الفضاء الحركة ويثير الآخرين الذين يراهنون على ديمومة هذا الثبات.

بعصف من الخوارق المتبدلة التي تندفع من مغبة النص، نرى، ونكتشف طبيعة هذا الحوذي، وفاعليته في شرح المشهد الراكد من حوله، مستمداً زوادة المغامرة والتمرد التي يحتاج اليها في صراعه الذي لا ينتهي، من

جموح خوارقه ورؤاه (الجياد النارية) وهتف ذاكرته (الحلم)، هم ندماء الريح الذين سيعصفون معاً، بفاعلية التحدي لندماء المرفأ (الأخرين والذات).

وإمعاناً في سبر طبيعة التناقضات تتحول الذات الى بشكلها المتشظي الموبوء بقسوة الوجل وطفولة الحرمان الى ذات نقيضه (للحوذي) وتارة ذاتاً تثير حافز المضاء والتحدي. هذه الإشكالية هي التي تؤجج أصالة الفعل لديه.

والذي يجسر يكسر رتابة الأشياء من حوله ينال كل العسف. من الآخر والداخل – الذات – معاً، هذه الذات التي عليها أن تخوض عراكاً داخلياً معه ليقوى على هذا الذهاب الصعب وحده.

الحوذي – كلما دخل بجياده النارية بيتنا اشتعلت أركانه/كلما اصطفى حانة وجلس عليها ليحتس النبيذ انهمر المطر واكتسح النوافذ/ خفيف كالريح/ يعصف بذاكرة غابرة/ ينتصب على الماء فاتحاً يديه مانحاً مداراته لهبوب الموج/ أي متعة تبللنا في صحبة ندماء الريح. الجياد النارية – في ساعات أخرى كان يقترض حمماً يشيد بها اسطبلاً/كائنات مخلوقة من نار مجبولة بالجنوح يحضرها بلا سروج/ يواكب جياده النارية الى الاسطبل عارفاً أنه صار محور الكون/جياده بالخارج تشعل المدينة بيتاً بيتاً.

الحلم: دغدغات امرأة مجنحة هبطت من السقف مرشوشة بالكافور تغلف روحه بأساور من ريش/أسماك عبرت كمائن وأتت تمجد الغفوة/أفيال بلا عاج تدفع خراطيمها عميقاً في صدره بحثاً عن نواة جنونه.

الخارج – الأخرون – هكذا يوماً بعد يوم حتى صار منسياً/كان حديث الناس/ قالوا: أي عار. أي ذل.. ما من أحد لم يرفع شراشف فضيحتنا/ هراء ما نسمع ليس بساحر ولا عاشق/ لا تجعلونا نصدق أن فرداً قادراً أن يروض كائنات مخلوقة من نار ويحضرها بلا أسرجة.

الداخل – الأنا    لم ينم كاد أن/ يعوى تحت ضوء القمر/ لا أب لك سواي لا بوصلة لك سواي/ مراراً شعرنا بالحرمان الطافح على شفتيه/ لم يتدفأ بالفرح/ قلبه الرهيف يحتدم/ رفيقان هو والمساء يرميان النرد في حلبة السهر وينحدران وئيداً في صمت ثقيل/ينام كما ينام الغريب مانحاً راحتيه.

يستظل هذا التناقض الرئيسي بتفاصيل عديدة تشعل تناقضاتها معه فنرى مشاهد الحلم بشكله البوحي عندما تخترق (أمه. – ((مثل عاشقة عذراء خرجت (أم لا يعرف اسمها) تداعياته وتلهب المشهد بصوتها، كذلك أحاديث السمندر الصديق وحكايا الرواة والجرات. كل هذا يعتري النص بعوالم تنبئ عن طبيعة الهجس الذي يؤرق الحوذي ليتحقق الفعل وهو هنا متصل بأهمية استمرارية الحلم الذي ما أن ينهمر في نهاية النص حتى تشتعل المدينة بيتاً بيتاً برؤاه الجامحة.

يمنح أمين صالح النص كل ما ينبغي من الفتن الفنية لينهض ويفعل على شفرة التحدي بين (حوذيه) السائس وكل هذا التدخل الشرس الذي يقع عليه لنعرف من ذا الذي يهز قاربنا.

الخسوف:

حتى تصل الى حتمية الخسوف كأمر لا مفر منه، تهيئ لنا عناصره نصاً مكتنزاً بمعادلات صعبة تجتاحها عندما تقف في وجه نقيضها. وهي عندما تعري النقيض فإنها تعري نفسها أيضاً. كل عبارة وصورة. في هذا النص، شكل يفجر هذه العلائق، لذا من الصعب إغناء هذا التناول بما سأقدم عليه لدواعي المطابقة، وذلك لأن الفصل لن يمثل حالة كل عنصر بل سيشي ببعض الملامح عنه.

التضاد هنا يبدأ بين العجوز والأحفاد ليتحول بين العجوز والرعية (الأحفاد أيضاً الذين في دفاعهم عن طبيعة مساءلة العجوز لأدوارهم تحولوا الى رعايا. ليعلنوا هويتهم المضطهدة التي أدت الى موقفهم هذا). ينتقل الى تضاد بين الرعايا والملك. ثم بين الرعايا والمدينة. حالة من تقصي صيرورة التناقضات لنصل الى أطرافه الفاعلة.

ندماء المرفأ – ندماء الريح. الرعايا

ندماء المرفأ. العجوز. الملك. المدينة.

في خاتمة النص خسوف حتمي للحظة التحول الى ندماء الريح، تحول الرعايا مصطحبين معهم العجوز، الملك، المدينة بعد أن هيئوا لهم نهايات تحول كل منهم الى ندماء للريح..

العجوز:

ليست هي التاريخ بمعناه الضيق المترب، بل التاريخ النابض الذي لا يزال يستبسل من أجل نقائه وحقه في مسائلة أحفاده – لها حظوة بيننا – نتبارى لإرضاء نزواتها – مدينون لها ما نملك – ما من خصومة إلا وجاءت تغسلها بالحكمة – ما من سهرة إلا وكانت تاجها ونبض مراياها-. امرأة عجوز لأنها الأصل البدء الذي يحرض أحفاده على البحث عن المغتال. فيه (الحبيب) هذا الذي ((جاء شهماً)) ((عندما أحضروا جثمانه راعها أن يبلغ السفك الى هذا الحد)) ((من قتله)) ((أومأوا الى الدرك الواقفين أمام الباب)) ((قال كلاماً أغضب الدرك القساة)) ((طاردوه من وحل الى وحل يبغون قطع لسانه)). البحث عنه بحرية الرؤيا (القنديل) وذلك بأن يفتحوا المغلق الذي لم يعتادوا فتحه (كوة في السقف) وليس الباب الموطوء المرصوف من قبل غيرهم. الجدير والباسل هو من ينجو من حراسها ويشعل – آبارها الارتوازية – بلدغاته الحنونة. هذه العجوز تصطدم بأفك يغتال الصوت البالغ الجسارة والمغسول بالكبرياء الذي لم يسمح له الطغاة أن يلتقي بالحبيبة العجوز وقتلوه وتصطدم أيضاِ ببراءة الأحفاد الذين لم يفعلوا شيئاً أمام هذا السفك ((لماذا تركتم لي مزاميركم يا أحبائي)) ((لكم أجنحة يا طيور الله)). ثم تدخل في محاورة أخرى مع الأحفاد الذين يكتشفون عن الهوية التي دفعت بهم الى هذا التناقض معها.. كونهم رعايا مضطهدون، وبورهم يبدأون سلّ خيط التناقضات مع الملك والمدينة.

ان احتمالات. النص. لا تقف عند هذا الحد، فلنا أن نعيد قراءة احتمالات هذه الفقرة باحتمال كون العجوز – الرمز – هي الثروة وفعل التغيير وتجربة التحدي التي تساءل الأحفاد عن أدوارهم تجاه ما يتعرض له أحبائها من سفك، وهي أيضاً من خيبة ندماء المرفأ أحفادها الذين يقفون أمام هذا الصراع موقف العجز والتخاذل.

عندما يصفها الرواة في بداية النص: ألفنا منظرها البهيج.. ترتقان بالصلاة حشرجات قوم شاردين في الزنازن يحفرون أنفاقاً لانهائية، قوم ممسوسين بالهدم يقتفون مجرى دم ذبيح وبمعاولهم الصقيلة يكسرون الفصول ارباً ارباً.

٢-الأحفاد – الرعايا: يخضع هذا الطرف لإشكالية المراوحة بين موقف منادمة الريح عبر تضاداته مع الطرف الأخر (العجوز – الملك – المدينة) فهو المهيأ لفاعلية التغير الذي تتحقق بعد أن يبوح لنا (أو نبوح معاً) عما يتعرض له من مصادرة وعسف لا حد له.

فالعجوز تجلب لهم ((من البئر أسلافاً بلون الطحين ينفضون الغبار عن عباءتهم المهيبة وكتبهم المهيبة)) ليروهم ((لم يمتشقوا سيوفهم الشوكية كما كنا نتخيل وانما لحى حادة كالموسى)). ((هكذا يحتشدون على الأرصفة يقرأون الأمجاد)) هذه العلاقة تدفعهم لرفض هذا الزيف ((قلنا كفى)) وكشف ما يحدث ((قلنا كفى وقرأنا كتب الاحتلال وأيام المجاعة والجواسيس)) لتراهم العجوز ((أحفادي يمضون صاغرين الى المنفى)) لتصرخ بهم ((استديروا لأرى جباهكم الشامخة)).

والملك يرغمهم ((مشينا أرتالاً نضمد موتانا أولئك الذين أرسلتهم الى الحروب والمجازر والانتفاضات)) ((تشك سيفك في جراحنا)) ((سممت بحارنا بخميرة طغيانك)) ((هادنت رعبنا)) وكلما حاولوا صد هذا الطغيان أرادهم بحرابه ((كلما أطلقنا نوارسنا أرديتهم بحرابك)).

إن تناقض الأحفاد مع رمز السلطة تناقض أزلي ((الملك والرعية هكذا أبداً مشاعر مستترة، نزال أزلي، تاريخ مزور)).

هذا هو المستوى الأول الذي يتعرض له الكتاب في الإفصاح عن محنة الرعايا الذين يتعرضون لبطش ((الملك)) ولواقع ((المدينة المنهوبة)). ولكن ماذا عن المستوى الثاني الذي يبرر جماليات هذه التناقضات عندما نرى الوجه الآخر للعملة ونصغى لبوح الملك ولطبيعة النهب الذي تتعرض له المدينة عندما تبدأ في مساءلة الرعايا هي والملك.

كأنما أمين صالح يتوسط هذا الحشد وفي يديه عدسة تعكس هذه الأشعة نحو مصدرها تارة ونحو الآخر تارة، مشعلاً المشهد بالفوضى المتبادلة والتفاصيل التي تضيء كل عنصر داخلياً وخارجياً، فنرى الملك طاغياً وطفلاً يتضرع، والمدينة مباركة وملعونة، إضافة الى حوارات الأحفاد والأسلاف، الرعايا والحاكم.

٣- الملك: ((حلمت أني ملك ولم اصحو بعد)) ((مهموم لا اهنأ بالمسرات)) ((مملكتي لا تساوي شيئاً في نظر امرأة معدومة)) ((لكنني وحيد)) ((طويت الأقاليم كطفل)) ((ليتني التقي بثائر يكرهني)) نتلمس في هذه المشاهد حالة الانكسار التي يجنيها الملك من بطشه فهو ضحية ايضاً لهذه السلطة التي تشوه أداتها دائماً لتكون طوع فتكها، لذا نراه ((الملك الذي لا يفنى ابداً)) ((جندك يا مليكنا ايضاً لهذه السلطة التي تشوه أداتها دائماً لتكون طوع فتكها، لذا نراه ((الملك الذي لا يفنى ابداً)) ((جندك يا مليكنا الفاخر لم يدعوا داراً إلا وعاثوا فيها)) ((سيد المحاريث)) ((ساومتنا كتاجر خبير))

من خلال محاورته للرعايا وانتقال الصور الفنية لتضيء لنا أدواره المتنافرة بين الخارج السلطة والداخل الذات، نتيقن من شمولية هذا التناقض الذي يؤججه امين صالح دون تحيز اذ يعطي لعناصره حرية البوح في تقصيه لطبيعتها.

((اكراماً لي أين أجد حلماً عذباً يشبه روحي العذبة)) ((إداك سلطة سقطت على ركبتي اتضور حزناً)) وإمعاناً فيما يعانيه الملك من مذله نراه يفتقد ايضاً لذة العصيان والتخريب والتمرد فنراه يتمنى ((ليتني ألتقي ذات صباح بثائر يكرهني ومعاً نخطط لقصف قصري بالمنجنيق)) ((اعرف ان اقود الثورة ضدي)).. لكنني وحيد)).

٤- المدينة: التي يفتش فيها الرعايا عن ((ملاذ لين لا يطعن ظهورنا المنهكة بالسلاسل)) المليئة ((بمراقد شبقية تلهب أكمامنا بالضرائب والملاريا)) ((ما حسبناه فيئاً كان محض أنقاض)). تفاصيل كثيرة تعرى طبيعة المدينة الأولى (الملعونة) ولكن عبر كشف لمسببات هذه اللعنة والقسوة التي تباغت بها رعاياها ((ذلك ان العقبان الأبابيل)) هذه الجوارح التي تموهت في صفات ((ابابيل)) أي ما يأتي لنصرة الطرف المغلوب على أمره جاءت

((كانت تحوم في الأعالي ترمينا بقوافل غزو تأتينا من رأس الرجاء الصالح حتى مضيق هرمز تسلب بهارتنا وزيتنا الأسود ولا تكتفي بهذا الغزو، لكن لضمان استمراريته تقيد الخطوة الرافضة ((تفك دودة القز ضواحينا وتخيط أصابعنا شرنقة شرنقة)).

تنزلق مشاهد الحلم لتومىء بحالة المدينة التي تتعرض لهذا النهب، التي تتذرع بقابلية رعاياها لفك هذا الأسر لينفلت نداء البحارة (الرعايا الذين تحولوا الى بحارة كتهيئه هامه لبدء فعل الإبحار والتمهيد له بهذا الخسوف العظيم) ((كفى يا مدينة الاسلاب، يا مدينتنا، كان ينبغي لشفرة الرؤيا ان تدمر عينيك، لكنك آثرت تجاهل نداءاتنا.. نحن البحارة الأوفياء. زحزحي يا قرة العين أضلاعك قليلاً وانحنى علينا.))

بعد أن نرى صراعاً مريراً يخوضه كل طرف ضد الأخر وضد ذاته في آن، وفي هذا يكمن عمق التناول الذي لم يغفل دوافع كل موقف على حده، تبدأ الخاتمة. ندماء المرفأ يتحينون لحظة القرار والتحول الذي لن يتحقق بدون إعادة صياغة تناقضاتنا مع أطراف لا غنى لنا عنهم.

نهىء:

للعجوز- ((موتاً جميلاً))، هو الموت الذي لا قتل فيه، موت حي نبدأ. فيه بإعادة اكتشاف الجانب المشرق والحي في هذا العفن المتكدس الميت ((دونك تضيع اشرعتنا)) فهي الرؤيا الجديدة التي لابد منها والتي تنهض بعد تفصدها من موتها الجميل.

للملك- ((ذبحاً جميلاً))، هو القتل الذي بتحققه يتحقق فعل التحرر ((دونك ترتبك الجهات)) هذا الذبح هو النهاية الوحيدة لطغيانه المدمر.

للمدينة- ((انهياراً جميلاً))، هو الخراب المؤسس ((دونك لن يكون لابحارنا معنى)) فلن تتحول المدينة لمنادمة الريح قبل أن تعصف بها رياح التغير وتبنى من انقاضها مدينة تستحق كل هذه الرؤى الجديدة والرعايا المبحرين بحرية الريح.

ويتوسل البحارة لربانهم العظيم ((هات صاريتك في جباهنا)) فهم المراكب التي ستبحر، ويطلبون منه أن يمهلهم قليلاً لأن لهم خارج المرفأ. عجوز مبجلة، ملك ظالم، ومدينة ترثى نفسها.

هذه اللقطة بالرغم من كثافتها الزمنية إلا أنها امتدت في تشظ هائل للحظة متوترة بين المرفأ والريح)) لحظة هي بحاجة الى هبوب عظيم وكارثة وخسوف ((ليخلع العالم، هذا المساء، تضاريسه، ويتشظى دونما جلبة)) الرعايا يتشبثون بطرف التناقض الملك ((وحضورك حضور قاتل، غيابك غياب قاتل، إذاً عجل بالقدوم يا تاج بؤسنا ((والمدينة)) يا مدينة الاسلاب هلمي الينا نعصمك بجبالنا ((والعجوز)) يا جدتنا، يا ربيبة السرو، انتظرناك طويلاً إنه التشبث بمكونات لا يمكن أن تبحر دونها الأحفاد- الرعايا – قبل. أن تنفذ ما هيأت لهم ذلك في فعل الأبحار – التغير-، والنص يتأسس على كيفية بلوغ هذه الإشكالية والبدء من أنقاضها مرة أخرى ((حين يتشظى العالم)) إن استمرارية هذا التناقض هو سر التحول الذي سيأتلق في كل معادلة من معادلات الخلق، هو الذي سيبدأ من الخسوف مرة أخرى وينتهي عنده. ليبدأ.

ندماء المرفأ

نصوص تبحث في إشكالية الصراع وتعدده بين ما يقع على رموزها – نوابض النص. من هتك الآخر وبين الحلم- رواة يتخذون من هذا العبء باباً للنفاذ الى شأن كل واحد منهم، وهذه طريقة أخرى يمعن أمين صالح في كشف النقائض من خلالها، فهو لا يقابلهم مثلما حدث في ((الخسوف)) بحيث ننتقل من عنصر الى آخر، ولا يدور معهم على مائدة الوطن مثلما سيفعل في ((نزهة الطوائف، لكنه يدعهم ينبثقون فجأة واحداً تلو الآخر ليسفحوا المحنة ويهللوا لحلم يفرّ من بين أيديهم، ويواصلون البحث عن هذا الحلم المشترك الذي يتراءى لهم بصور مختلفة، وفي كل مرة يأخذهم التوق الى حتف يعرفون أنه الغدية التي لابد منها لتحقق الحلم.

ندماء المرفأ – رواة يأخذوننا الى ذواتهم ويظهرون لنا ما تعرضوا له لكي نلمس بأرواحنا ونتحسس بأجسادنا ما يحدث، هم من يعلق الحكمة على أوتاده لوطن مثقل بالنحيب ملطخ بالهزائم، وطن القيد والتعب، التارك لهم جنازة الاشلاء وارث من المظالم بعد زن عاث فيه السائحون والبغايا ورموز البغي، هم من يحتدم بنشيد البحر ورنين الغبار.

بين كل هذا يجلس العامرون بموهبة الاختزال البارعون في النسيان ليؤرجحوا في احداقهم فوانيس السهر ويحلموا الحلم الفاخر الذي لم يحلموا به بعد. هذا الحلم الذي احتسوا رؤاه عندما أحتموا بمجد البحر.. جسر الخليقة ومنبع الينابيع، عندما أقسموا ان يرصعوا مناراته بسبائب أفراس مجنحة ويشعلوا أشرعة اللؤلؤ عرساً اباحياً لا يدعى إليه إلا الموبوء بالحنين وأوتار الغربة، هكذا، كل ليلة بلا يأس أو ضجر.

كل هذا من أجل الحلم الذي غادرهم سريعاً وقبل أن يمجدوا حضوره، ذلك الحلم ((الذي رش أنداء اللذة)) في ذواتهم ومضى تاركاً لهم رائحته الألهية التي أودت بهم عندما تعقبوا الواحد تلو الأخر نبوءة المغامرة حين ((انتفض ضوء الزبد في صدورنا وارتعش الماء بين أهداب الليل)).

يزاول أمين صالح، بسبار موهبته، كشف ما يخضعون له من شد وجذب بين الواقع المفترس والحلم الحاني عبر التحدي ((كل ليلة)) بالرغم من يقينهم بأن هذه الرؤى، الومضات الليلية ((حباحب الليل)) التي يبعثونها لتقايض الجهات (الواقع بتناقضاته) ((ستغرق في المرايا)) ولن تعود إلا حين نرسل قططاً مقنعة تضيع في نسرين الأفق وتأتينا بالأقنعة وحدها، زائرات غريبات لا تقرأ وجوهنا لن تعود رؤاهم إلا بالمزيد في المراوغة والتحايل (الأقنعة) على هذا الواقع الذي يمتحن قدرتهم على معاودة التحدي.

لا يكتفي الكاتب بما نراه بل يستل ما هو اشد بطشاً:

الرواة – ندماء المرفأ – يتعقبون المرأة – الرجل ليعرفوا إن كان الحلم الذي يحلموا به هو الحلم المشترك ذاته الذي لم يحلموا به بعد..

المرأة والرجل، هما أصل الندماء الذين بالتقائهما معاً – في الموت – ينطلق شرر النداء. هما البدء الذي يوقظ حرقة التجلي فينا حين يسرد كل منهما ارتعاشه المرير. دون هذا الالتقاء لن يتحقق للندماء فعل التحول من المرفأ الى الريح وتحقق الحلم المشترك، ولكنه لقاءاً مع الموت ايضاً فدية التحول والتغيير الذي لابد منه لمواجهة عسف الآخرين.

يتحول الرجل الى في نص المرأة الى الحلم المرتقب، وتتحول المرأة في نص الرجل الى الحلم الذي يبحث عنه، في بلورة نصية لأهمية كل دور على حدة واكتمال فعاليته بالتقائه مع الآخر..

١-المرأة: سيدة الصدفة/عاشقة الذاكرة/تمطر شهباً واخزاناً لا تحصى /تدخل وتخرج من أحلامها الصغيرة محملة بثمار الجنة.. ولكن عندما أجتاحها الحلم المشترك استسلمت له كلياً وزرعت النافذة لتكون قنديلاً يستدرج خطوات عاشق السفر الى قلبها وعندئذ تتنهد ((آه لو تخترقني الأجنحة لأشبك المسافة بالمسافة وأصل الى الى فردوس او جحيمه)).

يتقد الرواة وهم يهدهدون أحزانها ((هذي اصابعنا وسادة لنومك)) آملين ان تسمح أحجار النوم قباب الذاكرة)) هذه الذاكرة التي تعصف بقسوة الواقع ((المدن التي خربتها الدسائس والحروب الأهلية)) وليس لديها

غير نقاء البدء والحلم به ((فتنبجس البراءة الأكثر نقاء أو الاثم الأعظم، ذلك الذي يصب في نبع الخليفة)). انها تنتظر عاماً مثل ((هاوية تنتظر حجراً ماكراً)) حتى نضب زيت الماء ((وشاخ القميص في يديها)) تنتظر:

الحبيب – الحلم الذي لا يوصف، فهو لحظة الفعل، لحظة التحرر من ذات الحلم عندما يتحقق عبر اللقاء معه ((كيف أصف قناعاً)) قناعاً لأنه الذريعة التي تتحايل بها على قسوة هذا الواقع وبطشه. ((ضوءاً يطوق مسراه نثار عواصم رصاصية، ترشقه بالخيانة)) لأنها عواصم رصاصية ترشق هذا الحلم الذي يقف في الطرف الآخر متحدياً لها بالخيانة.

الفعل/الحبيب/الحلم ما يأتي من مذبح المدى/ من تلتقي معه في لهيب الحصار كل هذا وما يتعدد من حولها، يشكل الحلم المشترك الذي تبتهل لهم (الرواة – ندماء المرفأ) إن وجدوه (الفعل المكمل لفعلها) أن يطلبوا منه:

((أن يدخل حلمه ليراني جميلة كما يشتهي)) فبقدر تواجده في حلمها تحتل هي نصف حلمه الآخر.

مع تدفق المشاهد التي ترتقب فيها المرأة تحقق الحلم نراها في ليلة تعصف برتابة الانتظار لتختار طريقة التحول. مرة أخرى يتصاعد التواتر لتتحقق فدية الحلم إذ تفتدى المرأة نفسها بانتشاء سافحة جسدها كي تفترسها لبؤات هبطت سلالم الغابة واحتشدت أمام نافذتها. السفك هما مؤلم، ولابد منه.. فليأت اذن برغبة هذه الأسيرة يخلصها من عذابات الاتقاد ((فوحده القادر أن يخلص روحي من الأسر)) ولما لم يحضر الحلم – الحبيب، جاء الموت الشفيع.

الرجل: تؤام الحجارة، تؤام الفعل لشعوه بالتوحد والفرادة، وثمة غيمة وحيدة تلامس جبينه المكلل بالأسئلة. انه المخلوق الرجيم الذي سلبت منه جذوره وساحات طفولته، رضيع الجبل ورفيق العقارب.

ومثلما تناغم في حلم المرأة، نراها في حلمه، ويمضي باحثاً عنها ((سألتهن إذا كنّ قد شممن فيّ عذوبة كعذوبة جسد أنثوي عابق بالنرجس. أو لم تقنص أحداقكن الذكية ظل امرأة بلا اسم تفتح اقفال الرمل بأظافر عاصفة مجنونة)) بالرغم من خوارقه التي تؤججها المشاهد إلا انه ضعيفاً وغير قادر على المواجهة دونها، لذا نراه في حمى البحث عن نصفه ليتحقق حلمه فهي جوهرة الحصاد والفتح الأعظم.

عندما التقيا كان ذلك ((في حقل الفزاعات)) ورمز الفزاعات هنا ينبئ عن طقس اللقاء المليء بأشكال المصادرة والحصار لحرية الطيور في عناق الحصاد. الصدّ يشعله هذا الرمز العابر الشديد الدلالة عن واقعهم. هذا اللقاء الذي تخلق منه جنيناً أشعل النهر حضور الفعل – ((عندما خضنا في الماء التهبت افخاذنا. كان الماء يحترق)). إنه ثمرة – جنون الحلم الذي التي الهبت هذا الواقع المتفرس. مثلما اختفى عنها تختفي عنه لتتأجج جدلية التناوب والبحث تحت ظلال الحلم المشترك، ومواجهة، ومواجهة ما يتعرض له كل منهما من أجل تحققه ونقائه.

((امتدحت المرضعات الجبليات. تلك كانت خطيئتي)).

والمرضعات الجبليات هنا تكثيف لا يوصف لحضن واسع (الرؤيا – الحلم) منه يرضع تأملاته ومدائحه ومن خلاله يعلن رفضه لما يحدث من هزائم وحصار وتيجان متواطئة تتباهى بالخيانات، ولأجل هذا الحضن يسرح الشعب ((نسرح في المضائق نضمد الوقيعة بلبن الشهيد)) أنه رضيع الجبل، رضيع الجباه الشامخة الذي تنبأ له الرواة بالموت حين صارحوه: ((الخبل يترصدك بسهمه في حومة التأمل))

صاغوا له النبوءة في شكل حكاية تضمنت المعنى كله الذي استبق ما سيحدث له، والتي أراد أمين صالح أن يضللنا حين أعلن على لسانهم: ((لم يفهم أحد مغزى الحكاية ربما لأنها بلا مغزى، الا تخبرنا عن حكايتك التي لا معنى لها)).

هذا التحفيز يدفعنا لاستقراء المشهد أكثر:

هبط طائر بشرى (انسان حر) تتبعه غرانق تمحو أثاره (طيور مائية مثل الماء تمحو خطورة الخطو) دخل منجم القصدير (الخديعة/الواقع) بعد أن ذرف دمعتين (كشف للمحنة التي اعترته وهو يكتشف ما يحدث ويكشف عنه) وبعد ساعة نال الكل عقاب الجرأة فتحولت الغرانق (اتباعه) الى تماثيل وهو الى كركدن ينقرض بطيئاً.

مثلما حدث في نص المرأة، تحقق فعل التحدي هنا وتحققت النبوءة: ((طاردني السياف وكنت في سرداب معطفه أصيغ الى المحنة واصنع من الفخار اطفالاً ولكن متى وأين حدث هذا التحول، ((حدث في زوبعة الفصول)) ((في عراك الطريق والقتلى يجرون جثثهم على قصب الشوارع)) ((العربات تسحبها خيول شاحبة كانت – بعد إعلان الهدنة – حبلى بالمزامير)) كان ذلك في ((قارعة الأسلحة)) في انقلاب الحجارة.

في هذا العصيان ينهض برؤاه التي يفتديها بمقتله، بعد أن نشهد محاورة التحديات والسياف ((الذي زجره)) ((ونفث في عينه كراهيته المدخرة)) عندما هيأ السياف للندم إن أجاب على أسئلته ((ان اجبت على اسئلتي ستندم وتلثم عنقي المجتز))

ليبدأ هكذا ((لماذا يرسل الرمل الرحيم سرطان ليلدغ عيني؟

             لماذا تهيئ لي العذراء الشبقة سرير العفة؟

             لماذا يرصد ثوار الكلام أخطائي؟

كل هذه المسائلات التي اجترح عذاباتها وفتح نوافذ قلبه بالبوح عما تعرض له، دفعت جلاده الى الشفقة ((بكى السياف)) لشفيف اندياحها. بعدها نرتاد أجمل المشاهد عذوبة وأشدها سفكاً عندما تتحرك العربة مبتعدة بجزية الحلم (رأسه المفصول) يجرها جواد شاحب فيما يطلق سائق العربة من مزماره لحناً شجياً.

مرضعات المأساة:

يبذل أمين صالح أنيناً لندمائه الذين – معاً وبصوت واحد يسمعهم – يتحاورون مع مرضعات المأساة اللواتي يقتفون آثارهن بأصداغهم الملتهبة ((إن كنا في التيه فلأننا خسرنا الدالية والحضن الوارف)) لذا صاروا أشباحاً ((مائية لا تتقن الابتسام)) إذ ((لم يعد ما نفرح لأجله في هذه العفونة المدججة بالخيانات حيث تحيط بنا الأحابيل كالأساور)) يواصل الرواة اجتراحهم ((لمرضعات المأساة)) كل عاصمة توسم جباهنا بأبر وحشية ((حين اطبقت الأمم اجفانها)) عرفوا في هذا الحصار المدجج ((ان الدم يغري)) وأبصروا المطر الخاشع بين أذرعهن، لذا يتوسل الندماء – الرواة لهن ان يقتربن قليلاً ويغمرن اناملهن الشفيفة في ماء عيونهم (رؤاهم) ليمتحن عمق آبارها.

مرضعات المأساة هنا تكثيف آخر لينابيع الواقع الذي يقف معهم ويؤجج أدوار الندماء الطامحة للتغير، بأسراج كل هذه المآسي لهم والكشف عنها وهذا ما نسمعه عندما نصغي لأنين المرضعات وهن يكاشفن الندماء:

((من لنا في هذا العراء الابكم غير طعم بكائكم يا رُضع المنافي)) فهن اللائي ((يطلقن النشيد تلو النشيد ويحترفن الانتظار والغياب، ولكنهم يفترشن رؤاهم بسبر غور عتمة الواقع ((من حافة الكهف، الكهف الابعد غوراً والأكثر ظلمه)) ليرمين ((باقات المأساة من أرخبيل الافواه)) يتلون حكايات الانين.. هذه النماذج القتالية التي تستهدف تحريض الندماء لفعل الاجتياح، فيبدأن الحديث عن ((النزوح المقدس لحشود يضئ

دربها الليل)) هذه الانتفاضة التي تسري بنزوحها في درب صعب بصعوبته التي سيكتشفون من عتمتها (الليل) مفاتيح الرحيل وتحقيق النصر.

((عن المد البازغ من حلمة صبية تسوق الحجارة جنوباً)) شكلاً آخر لتحدى الاحتلال في الجنوب ينبلج من فعل صبية تقود أداة التحدي ((الحجارة)) وتهيئ بجسدها هذا المد البازع.

((عن المعارك النبيلة ودناءة الولاة)) ((عن مقبض اللهب))، ((فحولة اللغة)) صولجان التعب))، اشكالاً أخرى لمقارعة هذا الواقع بالخارق الذي يخرق رتابته وسكونه، بالكتابة التي تقبض اللهب بفحولة اللغة لتنال صولجان التعب.

بعد هذا يبدأن في تهيئة الندماء لطعنة الحلم ((من لنا في هدى الرؤيا المعتمة غير نجمة انقاضكم العاجية (ضوء الخراب الذي سيحدثه تحولهم وفعلهم في هذا المرفأ) تهيئه تجعلنا نتيقن من متعة هذه الطعنه بعد هذا التصدع المضني الذي أطلق نداءه.

طعنة الحلم:

يتحقق فعل مصاهرة الندماء لهذا الطقس الجذل بحضور ((ارامل الضوء)) الوميض الذي لهم من طعنة للحلم للعاشقة التي تعقبوها وهي في يقظة الجذور من تلك الشرفة العالية.  المرأة هنا ركز شفيف لحضور الأصل الذي يتقبل طعنه الحلم، إمراه عادية))، ((فقيرة المواهب))، لكن انظروا الى تمالكها تلك الممالك الزاخرة بالسهر)) الزاخرة بمساءلة ما حولها وتوبيخ ((زنابر اللج)) هذه اللسعات التي تتعرض لها وهي مقبلة تفتح للخطيئة (التمرد) صدرها. هي المرأة ذاتها التي تعرضت لافتراس اللبؤات نراها في مشهد الحلم هذا عندما، يأتيها الحلم ((الذي يهز نفير الغزو الأعظم)) يتسلل خفية مع ما سلب ويباغت النوم الذي يحرس أسلابه التي انتزعها من مصادرة الآخرين لحقها، كل ذلك في تشوف يختزل مكنونات القهر النفسي والجنسي الذي تخضع له ((رائحة فرج أملاح ذاكره، نيران أدوار))

ننتقل الى مشهد مآدب الامراء والزنجيات اللائي يرقصن عاريات على أمشاط الرغبة لأمراء يجسون الاوثان ويسألون عن دروب المجد ((هذا الانتقال من حالة الحرمان الأولى التي يضئ الحلم مكابدتها، الى الواقع الذي يلغي تحقق الارتواء والانتشاء لها في حين يسفحه بفجور لمن يتزعم قبضة السلطة، يؤجج التنافر الذي يلهم بقية المشاهد، يدفع الندماء لتأجيل حلمهم الفاخر، ((ليعسكروا في الموقد الحامض للحلم الغازي ذاته.

غزو الحلم يبدأ، لنسمعهم ((لا توقظوا العاشقة التي سوف تموت في نومها كأميرة)) طعنة الحلم أجمل ((أفسحوا الطريق لمداهمات الضوء))

((العاشقة تحبل وتموت في آن واحد)) لأن رؤى الحلم ستحقق من خلال انقاضها، موتها. هكذا سيأتي الولادة والموت في آن. ليروا – الندماء – النضارة والهداية. التي ستخلقها طعنة الحلم في جسد المرأة العاشقة له ويختبروا هداية الدرب ايضاً.  لذا يعلنون بصوت واحد لوميض الحلم:

أخيراً نصاهر الطقس الجذل: حضور أرامل الضوء

رفيق المحنة:

هي الكلمة التي المؤجلة التي لابد أن نقولها له (نحن ندماء المرفأ) بينما يموت، كأنما يؤجل أمين صالح هذا الكلام لنبوح به بعد رؤيتنا لوحدة المنتهى الذي مضت اليه رموزه:

لبؤات تفترس نشوة أمرأه في شفاعة الضحية.

رأس تتدحرج في عربة تتحرك مبتعدة.

أمرأه ورجل التقيا في ((حومة الجرح))، وممحاة الذاكرة تبلعهما دونما احتفال. هكذا، ببساطة الملهاة، يسرج أمين صالح حقيقة موت من هذا النوع ونهايته التي تتعرض لبشاعة النسيان، موت لسلالة الظمأ لمن يزين قبح المساء بجمال المسا، لمن يكن باسلاً ولا رعديداً، للجاهل البريء الذي يخلص الطرائد من فخاخ القنص وينتظر شبح العدالة. تنهمر بعد ذلك مصارحة الندماء له ((جئنا لنقول لك الكلمة المؤجلة)) ((أي ثناء لن يكون كافياً)) هو الصديق الغائب الذي أحبوه، من رافق المحنة.

هذا هو الذي ترصده الندماء طويلاً ((وعند حانت لحظة موته)) جاءوا اليه.

هو الرجل ذاته الذي تعرض لسفك السياف عندما امتدح المرضعات الجبليات.

((كنت تطوى الحقول بيدك الذاهلة مخلفاً ورائك عويل الطواحين، في حومة الجرح قابلت التي لا اسم لها))

هو ((الصديق الذي لم نختلط به)) لكنهم عرفوا)) لون عذابه في أسمال الهجرة عندما رافقوا محنته.

((قليل الكلام، كثير الصمت هذا انت)). ((دخلت المحنة وجئت العالم مقتحماً وحوشه)). بعد ذلك، لابد أن يحدث التحول، ما يهز ما خلفته المشاهد من روع، هكذا يحل المشهد:

٧-دم الطريق:

لنعرف حرية الزلزلة الكبرى وانقلاب الجزر والكارثة ومجرى الأوبئة ووعد الخراب. دم الطريق مشهد لا تهدأ فيه التداعيات، ما أن تحدق الكارثة بغرف المهرجان (الواقع الذي يأخذ شكل المهرجان) حتى نلمح وطناً يعدو خائضاً دم الطريق هذا العصف الذي مهدت له الندماء لتعيد صياغة واقعها وتبتكر اشرعتها من انقاضه التي ستبحر فيها. دم الطريق الذي فيه تتحقق رؤيا الوردة لنتساءل: ((كم أغتصاباً ينبغي أن تنتحنه الأرض حتى تتدافع هكذا مذعورة كالطريدة في جؤجؤ الفتك: حتى تحتشد الأعمدة هكذا في نصل الحربة؛

في البدء نشهد جنازة لكل ما من شأنه أن يقف في وجه الندماء ويعطل الطريق من ((قباب الرخام، ثرثرة المنابر، ثوار الفنادق، الحصون الكلسية، القادة، الدعاة، المدينة، التي لا تحلم.))

لنصل الى: فاتحة الانهيار: عتال يأكل لحماً بشرياً: أن تبلغ بنا الشراسة، التي خلقها هذا الواقع وحملنا اثقالها (عتال)، هذا الحد الذي نأكل فيه لحماً بشرياً. لنبدأ فاتحة الانهيار لهذا العالم الباطش.

خاتمة الانهيار: نزوح جماعي نحو البحر.

تتمثل هنا حالة العصيان وتحقق التحول لندماء المرفأ، بعد الزلزلة الكبرى، عندما ينزحوا الى حلم البحر لينادموا الريح. عندئذ تصطفق:

٨- الاشرعة التي تمضي مع المرافئ:

هذا النزوح الجماعي نحو البحر، للندماء والمرفأ ايضاً الذي عليه ان يغتسل من عبء الأرض، ووهم الخلاص والأمان الذي يعتريه، ولادة هذا النزوح – في فم الموجة – مشروطة بالوصول الى قلب الحلم المشترك. لما تشكله (الموجة) من دلالة على طبيعة التحول والتغيير الثوري.

((ولكن لن يمتحنا كل هذا الشرف، كل هذا الزهو، الا في قلب الحلم الأكبر، الحلم المشترك الذي سنحلم به معاً..  عندما نولد في فم الموجة))

البحر لن يمنحهم، لذا لا يتنازل أمين صالح عن غرور أشراقة البحر فيرمينا بهتف الذات: ذات البحر التي تطوحنا بحالات مختلفة له، والذي يستقبل ابناءنا الندماء قائلاً ((لكم غبطة الماء يا أبناء السفر)) بعد أن نتعرف على كل حالة يرتسم موقف ما ابعاداً يفجر دلاليه للبحر تجاه ما يحدث.:

١-البحر بتناسخاته المبهرة هو الذات والآخر معاً، البحر هنا يوحد النقائض ((هره تستحيل طفلة ملائكية))، ((انسان يستحيل صقراً)).

٢- ((البحر بأذرعه الحرشفية ذات البراثن الداجنة (المخالب الأليفة) تلتقط الثريات)) (الضوء المهوب) من. المخازن المائية. هنا ينتزع البحر ما نهب منه.

٣- ((البحر بغضبه وتشنجاته)) يوجي مجانقه)) لتدك أسطح البلديات حيث يجتمع الوجهاء بعد منتصف الليل للتآمر ضد الشعب.

٤- ((البحر الفوارق دعة وحناناً)) يلاطف أشرعة الندماء ويغسل صواريهم بالملح ويطري خصوبة أصابعهم.

نهاية مفتوحة لمحتمل التحولات التي انبثقت عندما تقصى ندماء المرفأ حالات العناصر وهيئوا لتحقق هذا الحلم المشترك الذي لن يبلغ مداه حتى يولدوا في فم الموجة لتبدأ كوكبة أخرى من الإشكاليات التي سترافق هذا التوتر بين الحلم والابحار، الرؤيا والفعل الغامر.

هكذا نبلغ أسر التحول الذي رص له أمين صالح فحم اندلاعه من حولنا، وحث الوميض الشجي النابع من خلائقه أن يوقده بشرر النداء حتى تيقظت جذوته وبلغنا أوار حلم ندماء المرفأ وهم يتألقون ندماءاً للريح في حنو البحر الواسع

الدليل:

نص شديد الإيجاز لحالة ما، يراهن عليها الكاتب لتستل منا وعي اللحظة التي علينا استيعابها قبل الولوج في تشخيص آخر لا يقل فذاذة عما أتقد. لذا جاء خارج طقس النصوص الى حد ما، ويقترب في تناوله لطبيعة الأشياء من مجموعة ((العناصر)) التي سبقت هذه النصوص.

شفافية اللغة في ((الدليل)) تبدأ من اثارة حنين الأصوات المبهجة ((التي تجلجل في سكون القرميد)) الى أصلها ((الأفواه التي لفظتها بلا مبالاة)) في فجر ندي حتى تحولت الى ((همهمات تحن الى الانتساب)) غير أن الأفواه قد نبذتها منذ أعوام لذلك نراها ((تطفو في فراغ الحجر الى أن تخر ميته)) مفتاح النص هو هذا الاغتراب الذي يبدأ من أوله، وما الغيمة إلا دليل يرشدنا إليه، ونحن نتعقب فضولها بفضولنا الأزلي.

فعل الاغتراب هنا يشمل مدلولات عديدة يحتملها النص تمس الذات والأشياء من حولها معاً. تبدأ المشاهد في تقليب طبيعة هذا الواقع الشرس: اغتراب الأصوات المنبوذة في فضاء الحجر/ نهار مترع بالبرد/ نفير الصيادين يطارد الفرائس من دغل الى دغل ومن كمين الى كمين/ غابة تثب في طيش الهداهد/ ورثة الأشجار/ أهالي مشمرين عن سواعد النهب/ أخشاب مثقوبة برصاص صيادين/ مهرة ودماء حارة لفرائس تخبئ رعبها ولهاثها بعيداً عن زفير الطلقات.

الجميع في غابة/. الواقع لاه بهذا البطش.

والغيمة (الماء – الطريق) تطرق باباً ولا أحد يفتح.

الغرفة خالية ((بأشائها الميتة مسدلة الغبار على عارها)) ((الآجر يفترس أطرافها)) حتى النوافذ (الرؤيا) لم تعد نوافذ بل ((محض فجوات تطل على فضاء أسود آهل بزواحف سوداء)).

أمام كل هذا الواقع المعتم الذي يضبب البصيرة، لا نرى غير: بكاء حلم صراخ حيوان ليلي (كائن يسهر) وبقايا ماض يلتهم ذاكرته في صخب أخرس. (ضجيج اللا فعل، العاجز عن التغيير) ونحن ماذا سنفعل، هل نحن من سيذرف المأساة؟

نعم، نحن النعامة (ومن يتفرج على المأساة ويدفن رأسه في الرمل لخطورة ما يراه)

((في هاوية المرآة تذرف النعامة مأساتها.

وماذا سيحدث لنا بعد ذلك: ((بعد هينهة تضرم في ريشها حمى الغابات وتنتحر عارية، باردة، مهجورة)) سنضطرم بحمى الغابات (الواقع الآفك) وننتحر وحدنا.

ودليلنا الغيمة التي اقتادتنا الى هذه الهاوية (المرآة) تهمس في انكسار: ((هنا فقدت نصف شعبي، لن أكون دليل أحد بعد الآن)).

نحن هذا النصف الذي تعرض لحسوة الفقد بعد أن عجز وتخاذل أمام ظلام وبطش النصف الآخر، ولم يعصف به.

في الدليل، يظل التناقض يحكم النص وان جاء بشكل آخر ضمن تناول ابتدع طريقاً آخر للبوح به.

غبار المدائح:

نص لا بد منه ليرش ما تبقى من همس يحتفى ببوح الندماء، من مديح مؤجل – هو الآخر – لمن يستحقه بجدارة الفاعل والمغير. لهذا الطقس. مديح لظر المحارب – امتداده، مديح لنزهة الطوائف – حرية القتل، مديح للماء الناسك – الذي أرتاد ببراءته رؤيا الحلم.

يبدأ أمين صالح خلخلة هذا الوقت الذي يبتكر لسطوته شرائع تؤسس سلطته، عندما يغل مدائحه:

لظل المحارب

نتعرض في هذا المشهد لتناقض يشتعل بين المحارب – الفتاة (المدينة) – الرواة والواقع، بالرغم من شفافية اللغة ومغايرتها فنياً عن لغة النصوص الأخرى الا انها تظل مأسورة بأجواء متشابهة.

١-الحبيب/المحارب الغائب: ((المدهون بالمجازفات))، ((العنيف في الحب والقتال))،

((الفارس الشجاع))

٢-الفتاة/الوطن/الحلم: ((وحيدة وحزينة مثل سفينة مهجورة))، ((فتاة الشاطئ اللازوردي المعطر بأنفاس عاصفة)) تطل، من زجاج العتبات عسى أن تسمع وهج دغل متواطئ مع الخطوة الضالة))

تكثيف رمز الفتاة يضعنا في حيرة التقصي، هي ((ضمير الأمس))، ((الغارقة في مياه الفجيعة))، ((فتاه الحقل))، ((تراقب من هودجها الاثير جمعاً. من الأدلاء المثخنين بالجوع واليأس)). هي كل ذلك، لذا نراها تتعرض لكل هذا الضياع والتوق يتقاذف ما حولها وهي بانتظار (المحارب) من عاهدها ((هذا ميثاق العشق احفظه جيداً)) لكنه غاب طويلاً.

دائماً في النصوص نتعرض لحقيقة اكتمال دائرة الفعل بلقاء الرجل والمرأة معاً، بلقاء أطراف الفعل المحارب والوطن، المرأة الرجل والحلم.. في هذا النص انتظار الفتاة لعودة المحارب يستمد حضوره الفني والرؤيوي من حاله ترقب جماعية لمباغتة هذا الفعل، فنرى حشداً مثخناً بالجوع واليأس في حالة من الضياع والتشرذم بين ((اسلاف توغلوا في الماضي)) و((اعراق أسرفوا في الاختفاء وينادون الحبيب الغائب ليدلهم على الطريق فهم يمشون ((في أعياء بلا أسطرلاب ولا جمهور))، كذلك ترقب الرواة الذين يرافقون وحشة الانتظار متعقبين حزنها ويأسها البالغ ((فوالله إنا حزانا من أجلك ونعرف ان سنابلنا قد ذبلت من فرط الوجد))

كل هذه المشاهد تهيئة لنا لاستكناه طبيعة تحقق الفعل، كما تعودنا أن نلمح هذا التحول في نهاية كل نص.

وأخيراً ((بعد أن عبرت الفصول الأربعة، جاءنا نبأ مفرح))

ترتسم شاشة المشهد بتكثيف فني يجيء بعد أن ناوش النص غفلتنا بحمى الترقب، لنرى:

فارساً ((يترنح متحسساً طريقة كأنه ثمل أو أعمى أو ينوء بجراح لا تحصى))

ذئباً ((متخماً بالفرسان التائهين))

الفتاة ((ذقن عامر بالصلوات مرفوع صوب تلك القمم الشاهقة))

الظل ((ظل فارس يقع فريسة ذئب يحدق في بحيرة القمر

رواة يشحذون اللحظة بنداء – لا نسمع صداه – الى الفتاة بأن تهدل عالياً كي يسمعها الفارس، فعل الافتراس يحدث ولا يحدث فهو الوقفة المتوترة بين تعثر الفارس المنهك من تجواله (حيث فقد حصانه – أداة الكشف – والمحاذي لظله – امتداده) بالرغم من مرافقة الحجر الودود له (أداة الفعل) وحفظته لميثاق العشق (يمتشق قلادة العشق التي اهدتها له)) الذي يؤهله لكي ((يشق بها الفيوم الرعدية)) الا انه متعثراً كالأعمى لابتعاده عنها ((كأن الجهات تاهت عنه ((يتعثر محاذياً ظله))، اللقاء هو مرتكز تحقق الفعل وهو هنا يأتي لقاءاً متوتراً، نجاته مرهونة ((بهديل الفتاة)) لتكمل الفعل معه امام شراسة الأخر ((الذئب)) ننظر نحن الرواة لحظة انطلاق ((الهديل)) ليصله من ((فتاة الرعب)) ويسمعه.

بهذا الأمل نتعلق نحن والبياض الذي يغطي بقية المشهد، حيث يدعنا أمين صالح ويرحل الى نزهة الطوائف.

٢-نزهة الطوائف:

هنا لعبة الوطن حيث يشترك القاتل والضحية على مائدة اللعب – الحرب – ويتبادلان الأدوار لغياب الحد الفاصل، غياب الوطن الواحد.

هنا سطوت الحرب التي تماهت بقوافل الطوائف المسلحة بحرية القتل.

هنا بيروت أفضح المدن التي ائتلفت فيها رماح الحرب علانية وأشهرت نهر الدم.

وكل المدن التي تتخفى بمهنة الرعب وتنسج تاريخ الفتك على نول الحكم. في هذا النص يؤجج أمين صالح رؤيا الحرب ضمن انعطافات جلية لكل من القاتل والضحية في تقابلهما الذي لا يدفع الحوار لمبادلة الاتهامات، كما يفترض ببداهة ساذجة، ولكن في سياق صلة البوح الذي يعج بأضداده. هذا التقابل الازلي الذي يحتمل التبادل، والدوران أيضاً حول المحنة، وما يتقد من فعالية المصارحة.

فالتضاد في الضحية نراه أولاً:

بين الطائفي الفاشي – وبين – من خلق منه سفاحاً، محمول الكولونيل ودلالته كمستعمر مستفيد مما يحدث – فهو يدين هذا الدور عندما يتحاور معه ((اراك أيها الكولونيل تخرج من ثكنة وتدلف مستعمرة)) ((احدثك عن الطوائف التي تتنزه مع كلابها في حلبة المدينة ليلاً وتتراشق بالرصاص كل صباح)) ولكننا نصل الى بشاعة هذه الفاشية الطائفية التي خلقها الكولونيل عبر ملهاة الحرب التي لا تنتهي ((اذكر اني اغتصبت فتاة كسيحة وأحرقت جثة)) ((جاءت صديقتي التي التهمت ذات عشاء جانباً من ذراعها)) وايضاً بساطة تعاطيه مع القتال في اللحظة التي يتحول فيها الى ((الطلقة الملتهبة المليئة بالحقد دونما سبباً، وهو الذي يرتكب مهنة القتل والرعب بفعل اغواء الطوائف له: ((رافقني الى البستان. مضينا رافعين مظلة تقينا وابل الرصاص وانزوينا في ناحية شحيحة العشب. تناجينا ثم قبلتها. جاء ملاكان اخذاني الى باحة مهجورة كانت في الماضي روضة أطفال ورويداً رويداً بدأت تزدحم بمسلحين من مختلف الطوائف وصرنا نتقاتل)) انتشال الملاكان هنا للضحية من وقت الحب الى وقت للقتل كأنما يجيء بفعل حضور غيبي لا مرد له، بفعل سطوة تأتيه بلا مبرر لتقدف به في أتون القتال.

شيئاً فشيئاً يبدأ التضاد الثاني للضحية يتجلى بينه وبين الذات عندما نراه:

مع ذاته المثقلة بالخطايا والتي تفتش عن مظلة لتنام، انها مضاءة بالدوى ولأشيء سواه يشعل ظلام الذات في زمن الحرب، فلا تجد مفراً من أن تأوي الى كثيب رؤوف وتبكي، عندما اكتظ جسدي بالخطايا آوين الى كثيب وبكيت)).

يقاتل حتى التعب، لذا نراه القاتل والضحية في آن معاً. تتناوب الصور في خطاب الضحية لتكثيف طبيعة هذين التناقضين لها إمعاناً في تحقق مقترح مبادلة الأدوار الذي نراه في بداية النص ((القاتل والضحية حول المائدة يتبادلان الأدوار)).

القاتل:

تنحدر المشاهد ببطيء تفسح حرية المصارحة والمساءلة التي تمتشقها ((الشعوب المنذورة للكوارث)) وهي تخاطب المدينة ((سيدة الصور)) التي تلعب دور القاتل والضحية في آن. لنشهد أشكالية الصراع المتحقق ومسبباته ومآلاته.

المدينة/القاتل:

تتعرض ((الشعوب)) في تناقضها الأول الى هتك المدينة لها، تلك المدينة التي انتخبوها ووهبوها النشيد والمخطوطات حتى صارت بهم ((الأشهى والأفخم))، وما طلبوا منها غير ((الأمان)) ولكنها. نسيت وقد نقول ((خانت)).

بقسوة يحاكمون المدينة، بسبب السفك ((الذي انقض علينا بغتة)) والإرهاب الذي ترعاه ((عجبنا ان تذوبي شغفاً بمحارب يهوى النزال وسلخ شفاه العذراوات)) يطلقون بنبوءاتهم لهذا النذير ((عندما تموت البيوت سوف تترنحين هائمة بين الَأضرحة.. مفقوءة العينين ولك رائحة الخجل)) وهم يعرفون اخفاقهم متضرعين لها أن تنفخ كي تدل الامطار الي سلالها ((بعد ان ضلوا عن الطريق الذي تحول الى طرقات)) تكورت مثل القنافذ، حتى يئسوا من ضراعاتهم و((بعد قليل من اليأس)) خضعوا لمناوشة ((الأشباح (موتى الحروب السحيقة)، خضعوا الى تشظي الأحزاب والطوائف من حولهم الى اشكال المسوخ))، ليمضوا في ((طريق حبلى بالمتاريس والأسلحة))، ليحتل الرجس كل الزوايا وتذرف ((الافريز دماء طريه لأطفال لهم طعم الفاكهة)).

لكن المدينة غائبة عنهم، لذا يتوسلون لها أن أن ترجع إليهم ((وتحرس عن كثب ضماداتهم)) وتكتشف هول الفجيعة عندما يفتحوا ((انقاضهم كالجراح لتشهد مسرى الآفات)).

ولكنها

 ٢: الضحية:

عندما يستشرفون معها أسباب هذا السفك ((الذي حل)) حين تتداعى الصور التي تنبئ عن طبيعة الحرب كنتاج لواقع يتعرض الى تدخل بشع وغزو فاشي يعبث باشكالياته من ((مهودك المخرومة سقطت بويضات الحرب وفرخت مسوخاً تجنح نحو الاغتصاب)) لان مهودها مخرومة نفذ منها الغزاة ليقتسموا الاصلاب، ((أينما تذهبين يحدق بك صغار الثعالب، وبين أسنانهم الشرهة يتذرذ لعاب الفتك)) ((من أجل بربرى متجهم الوجه، شرس الطباع اهملت واجبك نحونا)) هذا الخطيب البربرى الذي وقعت ضحية لفاشيته التي مرغتها في شراسة الحرب عندما تلقت ((هي القابلة)) ثمرة هذه العلاقة معه ((الضغينة)) المدينة تتعرض لانتهاكات ومداهمات تثير حزن ((الشعوب)) فنسمعهم ((أي نجاة لك واعاصير الإبادة تداهم خصلاتك بعد كل خطوة؟))

((لا مجد لنا)) قبل أن تلملم المدينة هذه الضغينة وفيالق أتباعها وترشدهم ((الى أنفاق تهدئ من سعارهم)).

ولصعوبة ادوارهم وعجزهم عن مواجهة ما استشرى من قتال أتباعها وترشدهم ((الى أنفاق تهدئ من سعارهم)).

ولصعوبة ادوارهم وعجزهم عن مواجهة ما استشرى من قتال ((نزهة)) الطوائف يهتفون لها ((بودنا أن نطمس بقايا خطيبك البربري كي ترجعي إلينا)) يتوسلون لها أن تعود ((ليتسنى لنا ان ندفن موتانا)) لا يطلبون منها أكثر من ذلك لبشاعة مما تقصف من وقت الحرب من حولهم فغامت نهاية هذه المأساة. فيطلقون التحذير الآخير لها: ((ويل لك ان تأخرت))

هكذا.. يقابلنا امين صالح، نحن الضحية والقاتل، على مائدة النص، ويذيل مقترح مبادلة الأدوار لأدوار تحتمل هذه الفعل بما تكتنز به من أفق الدلالة.

إشكالية أخرى يدعها مفتوحة ولتواصل لعبتها حين يبلغها الضجر.

للماء الناسك:

صاح الشهيد: قطرة ماء من أجل هذا الرضيع.

يجيئهم السهم الحي يالرضيع المخلوق بلا ذاكرة. بدقة وأحكام: في النحر الأخضر المتغرغر بحليب كلسي.

خداع أمين صالح في هذا النص لا يصل به الى تضليل القارئ فحسب، بل تضليل نصه ايضاً. إذ لا يكتفي بإلغاء مفاتيحه أو تعددها والتي تخبط العبارات بعضها ببعض، كما اعتاد ان يفعل، انما يؤكد، بيقين يخدع من لا يقتفي خطو النص، بأن الرضيع هو الرمز الذي ويعلن للجميع ((أنى محبرة اليأس وان حديثي حديث حالم)).. هذه الخدعة التي تتطابق مع حقيقتها ولكنها تضلل، لأول وهلة، من يقرأ بغفلة من لا يحتذر.

الاغتيال جاء للرضيع من أجل قطرة ماء ناسك، أعتزل هذا السفك الذي تلمسنا تجلياته في كل النصوص وكيف تنامت مواجهات مختلفة وتحديات كان الاغتيال يضع حداً لرموزها الفاعلة.

الرضيع هنا محور رئيسي يثقب كل النصوص عندما يكون الجذوة التي توقد شرر التحول للندماء: الحلم، طفولة البدء، طراوة المهد، حرية الخلق، براءة الدم الأول، الذي يقبل بلا شائبة، ضيف السرير، وردة الرؤيا يتعاطى امين صالح مع كل هذه التبدلات والتلاوين التي تثريها دلالات المشاهد ليبوح لنا اتصاله الآسر وهذا الرضيع ((لتجمل بالكتابة كي اكتب عن ايامك)) ويناشده ايضاً عندما تخذله عيناه ((ان يكون البؤبؤ المغامر، الذاكرة المعبدة بالمراصد كي أرى)) هو الذي لا وصف له ((ينزح مقتفياً موكب الماء الراهب))

يستحضره ليستطلع معه ((حال المؤسسات المعفنة، شاشات الصهر، ثوار الكلام، يسار المقهى، الحشد المصاب برهاب الاحتجاز)) فهو قنديل الرؤيا المضمخ بنبض القلب، وحده القادر على سبر خفايا هذا الواقع الذي يعبر احفاده فيه مكسوري الأعناق، يخرج من بين صمتهم قتيل أو قتيلان، لذا لا يتسنى له زن يمتحن طراوة المهد (بدء طفولته) لقسوة العالم من حوله يجملونه بالدم لحظة ولادته ((المرصوفة بالنحيب)) انه الرضيع الموءود بسهم حي يلغي ذاكرة المهد.

لخطورة مولده وذاكرته التي ستقوده لكشف ((الميادين المتشيعة)) حيث ((البراءة البغي تعتقل سيدها وتمعن في اذلاله)) حيث ((الافيون الفقيه يسرج الأرياف بفروض الطاعة)). وامام فقع الكشف والتحدي لابد من الاغتيال ليتحول الى ((الشهيد ابن الشهيد))

لابد أن يصرخ في وجوهنا: ثقتي بكم لاحد لها.

                                ولكنكم خذلتم دمى))

وليعلن الناسك الذي يغوي الندماء:

                             أنى محبرة اليأس

                             وزن حديثي حديث حالم.

هذه المحبرة التي اجترعت بوح الندماء لتورق في كلام رهيف هو النص. حيث الحلم.

هكذا يضع أمين صالح نقطة سوداء تغلق دائرة الندماء التي تظل تتسع مدوية بنداء ما يحتدم كصارية في أشرعة الندماء.