كثر الحديث عن غياب النقد وعدم مرافقته للنصوص الشعرية المراد تقويم تطورها وخطواتها عبر العديد من الضوابط النقدية والمحذورات التي ينبغي مراعاتها، كما طغى الحديث عن انفلات النصوص الشعرية نتيجة غياب الاجتهاد النقدي الحارس للحريات الشعرية غير المنضبطة.
هل نحن أمام كتابة شعرية موهوبة للحياة، ترافقها قراءة حنونة تكتشف مفاتيح رؤاها وتطلعاتها الحكيمة، أم نحن أمام قوانين أمن دولة للشعر؟
النقد موهبة تتفرد بقدرتها على إعادة قراءة النص الشعري، مزاولة واستكناه مدلولات تصاويره، مس الخفي من معالم رؤاه، تدوين ما يليق بمقاربة كل حرف مضمخ بالحبر وحده.
النقد ليس سوطاً لترويع قطيع الكلمات، وحثها نحو إسطبل القوانين والاشتراطات والمحذورات.
النقد ليس أستذة فارغة من معطيات المحبة للفن، تتباهى بالسيطرة المتعالية هي الأخرى، وهي تهدد النص الشعري المراد له أن يرتعب في أقرب زاوية يخفي فيها هلعه.
النص الشعري ليس جثة ينبغي لها أن ترتمي على ثلج الطاولة، وتخضع لأدوات التشريح النقدي الباردة هي الأخرى والميتة في أغلب الأحوال.
النص الشعري ليس للخضوع أو الاستسلام أو الموت.
عندما يتأخر النقد عن النص الشعري ويعجز عن مرافقته بحصافة ورصانة الموهبة التي تحترم حضوره وحريته المطلقة أولاً، ثم تجتهد للتعرف على ملامح روحه ومعالم قلبه الحكيم بمراده، ثم الكتابة عنه بحب لا يقل، عندها يتم مداولة الرأي فيه بحرية مطلقة أيضاً.
عندما يتأخر النقد عن كل ذلك، له أن يكترث بمعضلته التي لا تعني الشاعر المنشغل بأشرعة عمره الشعرية.
عندما يتأخر الشعر كذلك عن الشعر نفسه ويتحول إلى لغو وانشغال برصف الكلمات بلا معنى ولا روح ولا نبض، له أيضاً أن يكترث بغياب موهبته التي لا تعني الناقد أبداً، ذاك الناقد المنشغل بمشاريع عمره النقدية.
هذا ما حدث ويحدث الآن.
ثمة شعر وثمة نقد، لكنهما يختلفان عن الذي ساد فيما مضى ويحدث أحياناً الآن.
لذا لنا أن نعيد النظر فيما اعتدنا عليه من شعر يجلجل المنصات ومن نقد يكيل المديح أو يصفع النص.
لنا أن نتعامل مع الشعر بحرية الأصدقاء في المحبة ومع القراءة النقدية بحكمة االأصدقاء في التلاقي والمحبة..