الكاتب عبد الحميد المحادين
الخليج الثقافي- الامارات 11 ابريل 1985
حين انبثقت موجة الشعر الحر في البحرين مع أوائل الستينات، واستكملت الى حد بعيد ملامحها بعد عقد أو يزيد من الزمن.. أفرزت عدداً من الشعراء يشكلون الجيل الأول.. أو لنسمهم المؤسسين لحركة الشعر وتنوعت التجارب والرؤى.. وان كانت متزامنة.. وصدرت دواوين كثيرة وتطورت تجارب كثيرين منهم تطوراً واضحاً.. يمكن تتبعه ودراسته.. واكتفى البعض بالبداية.. واستطاع عدد من الشعراء.. أن يشكلوا حضوراً متميزاً للشعر البحريني، في إطار حركة الشعر العربي الحديث.. ولم يتداخل معهم زمنياً عدد كبير من الشعراء.. بل ان جيل المؤسسين.. بقوا وحدهم.. أو بعضهم في الساحة الشعرية حتى الثمانينات.. دون أن ينضم إليهم موهبة جديدة تملك أساسيات متقدمة في عالم الشعر.. والصوتان الوحيدان اللذان ظهرا في السنوات الأخيرة هما أحمد مدن وله ديوان “صباح الكتابة” وفوزية السندي ولها ديوان ” استفاقات” الذي سنتحدث عنه..
الانطباع الأول الذي يشكل أساساً صالحاً للبدء في القراءة الثانية، واستخلاص الأحكام، وتبيين وتبين الملامح، يؤكد أن فوزية السندي صوت واثق، يتقدم الى رحاب الشعر بموهبة تختزن – إذا ما واصلت الرحلة على طريق الشعر- كثيراً يمكن أن يعتبر اضافة.. فهي تملك لغتها، وتملك رمزها، وتملك قدرة على السير بالرموز في موازاة لا تحدث خللاً.. وهي رموز مقروءة، وان كانت غيابات الرمز أحياناً تربك السياق العام للقصائد.. ورغم ان هذا هو ديوانها الأول الا انها تميزت عن بدايات الذين سبقوها من شعراء الحر في البحرين.. في أكثر من جانب.. لقد كانت بداياتهم في معظمها تتكئ على كثير من التراث وكثير من التاريخ، وكثير من البيئة.. في ذات الوقت الذي تجاوزت فوزية السندي هذا كله، ولم يظهر له وجود في ديوانها.. وهذا ملمح يستحق الذكر..
ان لغة الشاعرة، وهي المرتكز الاساسي في صناعة الشعر، لغة دالة، وبسيطة، وهي تبني الجمل بناءاً يسيراً.. يجعل من شعرها مناخاً لغوياً نفسياً موحداً.. يحمل كل ارهاصات الشاعرة في مواجهة المأزق/ الرفض والغضب.. وهذا ملمح تتفق فيه مع بدايات الشعر الحر في البحرين.. بل يكاد يكون ديوانها استفاقات قصيدة طويلة واحده مقسمة الى مقاطع.. من حيث هذا التواصل المشترك بينها.. موقف ورفض وغضب.. وأحبطا.. تلك هي السمات التي يحملها معظم شعراء الشعر العربي المعاصر.. هذا الشعر الذي صار الاحباط فيه تلذذاً.
صحيح ان فوزية تملك صوتها الخاص لكنه في أكثر من قصيدة يتداخل مع اصوات اخرى.. وتكاد تتحسس المواطئ التي سبقت اليها، فداست فوقها.. وهذا أمر لا غرابة فيه.. فالتجربة في باكورتها تحمل كل عناصرها.. لكن حين تنضج وتتطور.. تصبح المؤثرات خافية أو يرتفع فيها صوت واحد.. هو صوت الشاعر.. وان كانت فوزية تنفرد بلقطات يمكنها إذا ألحت عليها أن توجد منها اساساً ثرياً للتعبير في المستقبل..
ان الآفة التي وقع فيها كثيرون من شعراء الحديث، هو على اهتمامهم بامتداد الايقاع الشعري في مسافة القصيدة ككل، والتركيز على البقع المتجاورة، المتلاحقة، وهذا بحد بذاته يفقد الشعر الحضور الضروري من خلال توفر حد أدنى لما يريد الشاعر ان يعبر عنه وينقله.. وتبقى القصيدة بعض انفعالات وصور هلامية.. لا تعلق في الوجدان.. لأنها لا تملك قواماً من معنى يمكن الحديث عنه.. ولا تملك ما هو خارج عنها لترتبط هي بتوصيفه وتحديده وكشفه أو الايماء به او الايماء له.. ومن هنا كانت القصائد لدى كثيرين من الشعراء قصائد أثيريه.. ما أن تلامس القارئ حتى تتبخر وتطير.. ولا يبقى منها ما يرتبط بها..
أن فوزية السندي.. نجحت في تجاوز هذه المظنة، نجحت الى حد كبير في التخطي، مما منح شعرها امتداده.. فالقصيدة لدى فوزية السندي لا تفقد خيطها الممتد منذ البدء، ولا تفقد معادلها الذي تومئ اليه أو تنبئ عنه.. وبذا تكون قد اختصرت الطريق.. وتجاوزت البداية الى ما بعد البداية، وهذا التقدم.. يوفر لها وقتاً وجهداً، ويضاف احتمالاً للآتي من شعرها.. وهذا التجاوز المبكر أساسه وعي ما يضعه الشعر، أو بأسرار الشعر، التي ينبغي أن يتعامل معها الشاعر من موقع متقدم.
يقابل ذلك تشبث من موقع مغاير، وهو اصرارها الذي تفصح عنه قصائدها في الديوان على أن الشعر غير النثر.. وانحيازها للشعر الشعر.. وهذا هو الذي جعلها تتجنب المتاهة التي اندفع اليها الشعراء الذين فيما يبدو وثقوا من تجربتهم.. ووثقوا من قدرتهم على الاستمرار في المواجهة مع ضوابط السابقين للشعر، وتعمقوا في لعبة الشعر الى الحد الذي خرجوا منها أو كادوا.. وهم يثيرون الجدل الشائك حول حداثة الحداثة أو حديث المحدث. وهو يتمحور حول مفهوم لموسيقى الشعر، لا تعتمد على “التصويت” بل تعتمد على الأحاسيس الداخلية. وهذا نفسه حديث عن شيء لا يمكن التعرف عليه أو تعريفه.. ويبقى الحديث حوله شيئاً من التهويمات.
المهم.. أن فوزية السندي.. حفظت لشعرها.. ظاهرياً.. شيئاً من موسيقى الشعر.. مع عدم تزمت أو تفريط في جوهر الشوق أجل عرض خارجي من اعراضه.. ففي نطاق شعرها.. تحرص على أن ما تكتبه يقدم نفسه على انه شعر دون مذكرة تفسيرية لذلك، ودون الخروج عن هذه الأساسية.. ولست أظن ان الموسيقى الظاهرية تفسد الشعر أو تقلل من شأنه.. وقد نجحت الشاعرة في أن توجد تناسقاً واضحاً بين الشعر كهيئة لغوية والشعر كحالة تنظيمية، لمجرد استكمال الأجواء الموحية له..
أن فوزية السندي.. وهي تقدم ديوانها الأول.. تجاوزت كل التبريرات التي يحتمي بها المبتدئون، ويتعللون.. فقد بدأت بخطوة موثوقة.. لتضيف إلى حركة الشعر في البحرين صوتاً آخر يعد بالكثير.. وليس هو الصوت الشعري النسائي الوحيد.. فقد سبقتها الشاعرة حمدة خميس.. بديوانها اعتذار للطفولة..
أن استفاقات خطوة لم تبدأ من البداية.. وهذا وحده يبر بالكثير.