إِلى شاعِرَةٍ أَتلفَتْ روحي
إيمِيلِي دِيكِنسون
قُلتِ:
“أَنا لا أَحَدٌ
هَل أَنتَ لا أَحَدٌ أَيضاً”
ما أَقساكَ عَلَينا
وَأَنتِ تُرَتِّبينَ الفَراغَ تِلوَ الفَراغِ لِيَكتُبَنا
دَسيسَةٌ ضَليعَةٌ بِهَواءِ اللَّيلِ
مَدسوسَةٌ كَالحُمّى في دَمِنا القَليلِ
ريشَةٌ غادَرَتْ عُصفوراً ضَريِراً
يَجولُ الفَضاءَ بَحثاً عَن سِواهْ
مَن مِثلُكَ يا قَديرَةَ القَلبِ المُتَخَفِّي بِكُلِّ مَوتٍ
مُرتَدِيَةً بَياضَكِ الدّاهي
تَعقُدينَ شَعرَكِ بِقَسوَةِ مَلَكٍ
وَتَبدَأينَ حِفلَكَ الضّاري
ما أَن تَغتَرفينَ خَفايا سَهُوكِ الجَديرِ بِقَدرِكَ الواهي
وَتَرشّينَ الوَرقَ المُصَفَّرَ بِمَزاياكِ
حَتَّى عَنوَةً تَشُدّينَ لِجامَ الوَجَعِ الضّاري
لِتَخطّينَ حَرفَكِ حَتفَكِ
يا لَهُولِكِ
لَم أَعرِفِ امرَأَةً تُشبِهُكِ قَطْ
كَالشِّعرِ تَماماً
لا أَراكِ
مَأهولَةً بِنِواياكِ الأَليفَةِ وَحَناياكِ الفَريدَةِ
تُدَرِّسينَ فَراغاتِ الغُرفَةِ شِلوًا شِلوًا
قَبلَ أَن تَدفَعينَ الطّاوِلَةَ بَعيداً
وَتَحلِقينَ لِغَيّاباتِكَ الأَلْفْ
ناهِلَةً مُنتَهاكَ مِنكِ
إيمِيلِي
حَديقَتُكَ مَالَتْ صَداكَ وَصَمتَكِ
بَيتُكَ عافَ تَجوالَكِ الخَفِيِّ
قَميصُكَ الأَبيَضُ المَشغولُ بِدانتيلا هَواكِ
طاحَ طَريحاً مَهموماً بِكِ
إيمِيلِي
شِعرُكَ أَتلفَ روحي
وَاغتَرَفَ ما يَنحَرُ مُخَيِّلَتي
كُلَّما دَنَوتُ مِن حَرفِكِ
تَهاوَيتُ لِمُبتَلاكِ
لَستُ وَحدي
أُداوِي بِكِ ما يَشغَلُ ذِهني
لِمَ تَجَرَّأتِ وَعُدتِ مِن مَوتِكِ
ما أَن تَرَكوكِ تَرتَدينَ في تُرابٍ رَطبٍ يَقرَأُ رُعبَكِ
حَتَّى عُدتِ بِرِفْقَةِ وَريقاتٍ يَتيِمَةٍ تَضَمَّخَتْ بِدَمعِكِ
وَأَتْقَنتِ شِعرَكِ
كيفَ تَناسَيتِ ما أَحدَثوهُ بِكِ
وَغَفَرتِ وَعَفَوتِ وَتَهادَيتِ
هَكَذا بِبَساطَةٍ شاعِرَةٌ أَدمَتِ الحَياةَ بِصَمتِكِ
صَديقَةَ روحي
تَعِبتُ مِن مُهاتَفَةِ صَداكَ طَويلَةَ عُمري
اِبتَعِدي قَليلاً
لِأَجلو مَعناكَ مِنّي
وَأُغادِرُ قَلبي
الخالد
بَدءُ الوَميضِ المُتألِّقِ وَالنّادِرِ مِنَ المَلامِحْ
العَجولَةُ وَهي تَرتَسِمُ في بَياضٍ ناصِعْ
طِفلٌ مُغايِرٌ في كُلِّ شَيءْ
مَرِحٌ وَلَحوحٌ وَفاتِنْ
يَهوى وَيُغامِرُ بِقَلبِهِ طويلَةَ...
الوليد
حُبّي لَهُ مَختومٌ بِنَبضٍ قَديمْ
مُذِ اِحتواهُ بَيتُ دَمي وَرَقَّقَ الهَواءُ القَليلْ
مُحتَمِيًا بي، مَمزوجًا بِعَطايا روحي
مُذ شاهَدتُهُ يَحبو بِلُطفْ
مُذ عانَقَ أَصابِعي...
اليوسف
نورُ الحِكمَةِ مُزدانَةٌ بِمَصابيحَ وَمِشكاةٍ مُنيرَةْ
طِفلٌ سَخِيٌّ بِصَمتٍ يَنظُرُ لِكُلِّ بَعيدْ
يَتحَفُني بِحُضورِهِ المُتَأَلِّقْ
كَمالَكٍ يُنيرُ هَواءَ اللهِ بِنَقاوَةِ حُبٍّ جَليلْ
اليوسُفْ
نِعمَةٌ تَراخَت...
فقدك يغمر حبري
كَرمُ الأُمومَةِ وَهي تَنثُرُ الحُبَّ لِصِغارٍ يَحتَمونَ بِها
جَلالُ الأُمِّ وَهي تَطوي الثِّيابَ وَتَنشُرُ المُبتَلَّ مِنها
تَغرَقُ أَجِنَّتَها بِدِفءِ جَناحَيها آخِرَ كُلِّ...
كما أحبها
رَملٌ يَبحَرُ
مَمسوسٌ بِمَلوحَةِ أَشرِعَةٍ تُنيبُ القَوارِبَ مُرادَها
شَواطِئُ تَتَبَعثَرُ وَيابِسَةٌ تَتَّسِعُ لِتُجابِهَ المُدُنَ
وَطَنٌ يَبحَرُ في كُلِّ روحٍ تَنتَوي سُكْنَاهُ
بُيوتٌ وَتَعاريجُ أَزِقَّةٍ...