أخطأت، عندما أدركت خطيئتي.
كحصاة في منتصف الطريق لا أصل
ولا شأن لي بالعودة لأصل.
دام الجسد ورقة الكتابة، دامت الروح طاقة الحروف، دام الدم مداد الوقت، يدوم الشعر طاقة الحياة.
لم يكن الشعر يوماً توصيفاً هذياناً أو تركيبا ميكانيكاً كما يراه المولع في رصف الكلمات، الملتقط المعاني من أرصفة البلاغة، الشعر كائن حي ينبض في الجسد ولا يهتم بضجيج المجد.
الخطأ بداية المعرفة، كلنا كنا نحبو لنتعلم أن نخطو، نحاول أن نقف كلما وقعنا أو أخطأنا طريقة المشي المثلى التي يزدهي بها الكبار، لم نتوهم قط أن الخطأ عيب يجب محوه أو تصحيحه بالندم أو الخجل منه، بل تصويبه بالتعلم منه وفتح آفاقه نحو المزيد من المحن لنتعلم أيضاً
الخطأ في التجربة الشعرية هو الصواب ذاته، فهما وجهان لعمله واحده تدعى الحكمة.
العديد من التجارب الجديدة لا تدرك عمق هذا المنحى وهي تصوغ إطلالتها المعرفية على العالم، لذا نراها تتدافع نحو التجارب التي سبقتها ونالت ألقاب التفخيم، والتعظيم، والتكبير، كعادة العرب في التبجيل، تتسابق المواهب نحوهم من أجل تقييم تجاربها الحديثة، بمعنى منحها صك الاعتراف أو المصداقية الشعرية، بمعنى آخر منحها شهادة النجاة من الخطأ.
ما يحدث عادة هو أن يتعالى الشاعر أو الشاعرة من ثقل وشدة التكريس وتعاظم الوهم، يبدأ في رص سيل التهم للبرعم الناهض أمامه من بذرة حديثة التألق: التجربة غير ناضجة بما فيه الكفاية، ينبغي إعادة النظر، ينبغي إعادة كتابتها بشيء من التأني، ينبغي التخلص من الحشو الزائد، ينبغي التركيز والتعبير…. إلى آخر الينبغيات من الملاحظات الجوفاء التي لا تشي الا بالغرور.
قراءة التجارب الجديدة يعنى التعلم منها، التعرف على مقترحاتها الشعرية، اكتشاف مدى عمق صلة هذا الجيل الجديد بالحياة وتحدياتها، اتقان تقنية الإصغاء لها حد الحنو، تقصي مفرداتها، واحترام قدرتها على سبر ذاتها والبحث عن مآلات تفردها
قراءة الآخر لا تعنى إعمال المعاول للقصاص من خجله وخوفه وتردده أمام الشاعر الكبير أو الشاعرة المتألقة..
هذا للأسف ما يحدث في واقعنا الثقافي، تعالي وغرور وتعزيز مفهوم الأستذة ضد الخطأ، والبحث عن طرق تصويبه بالمزيد من التهديم، كأن الموهوب متهم حتى يثبت براءته
في حياتنا العربية ثمة اشكالية عصية تتصل بمفهوم الخطأ، إعمال الإدانة الدائمة للآخر، رؤية ما نسميه أخطاء وعيوب، أو نصف الكأس الفارغ كما نعتقد، هذه الإشكالية تتعاظم في كل نواحي حياتنا، دون أن نتصف بشمولية النظر لحديقة الحياة حيث تزدهي الطبيعة بتجاور البرعم الصغير والغصون العالية، وتفتخر بعطر الزهرة الجديدة ورحيق الوردة اليانعة.