قال ريلكه ذات شعر: “يجب أن تكون لديك معارف عن الفيزياء والأشجار والأنهار والكون لتستطيع الكتابة عن زهرة أو عن شيء بسيط في هذا الكون. وعمل الفنان الكبير يتضمن الكون كلَّه”
دوماً تشتمل الحوارات على مداولة لهذا المنحى المحير: ما جدوى الشعر
ليستتبع هذا السؤال المزيد من التشكيك والتسطيح لجدوى الشعر في حياتنا، فجأة تنهمر العناوين بجاهزية تعتقد بموت الشعر ونهاية ديوان العرب، يليها تقهقر سوق الشعر لنصل إلى حتمية انقراض الشعر.
ببساطة تامة نتحاور ونصل إلى نهايات عظمى يتم إعادة محاورتها كل شاعر يتقدم إلى منصة الصحافة الثقافية.
والحياة تتعقد بتحدياتها وتتطور بمكتشفاتها التي تطرح المزيد من الأسئلة الجوهرية والعميقة تجاه الحضارة الانسانية، نرانا لا نكترث لما يحدث من تطور لاحق للفنون التعبيرية، أو بالأحرى لما يجب إن يحدث من تطور هو الآخر كفيل بإبداع معنى الحياة، كل ما يؤرقنا هو أن الشعر لم يعد ديوان العرب، لم تعد الكراسي تهتز في الامسيات الشعرية من ضجيج الخطاب التحريضي البعيد كل البعد عن حقيقة الشعر، لم تعد الطبعات تنفذ الواحدة تلو الأخرى كدليل فاحم على قوة التجربة الشعرية أو الروائية ومدى تعاظم الأقبال عليها، هكذا نؤسس لمعايير تتهالك اما النص الشعري الذي يرى الحياة.
جدوى العمل الابداعي تكمن في تأثيره في لحظة عابرة من الزمن على مخيلة إنسان ما يحدق وحيداً في الهواء، تأثير عميق في مشاعره لأحداث كل هذا التحول الحسي الجمالي في طاقة المعنى والرؤية للكون كله.
جدوى الشعر تكمن في أن تثمر الصورة الشعرية معنى الجنة في مخيلة طفلة تلتحف الليل وهي تقرأ ما يحاكم العالم أمامها قبل أن تسقط دمعه على ثيابها.
جدوى الشعر تتعاظم امام الدم المهدور كل قتل.. عندما تتعالى الكلمات كما الشاهد الذي يدين القاتل كل قبر.
جدوى الشعر تتعالى وهي تلغي اليباس عن عالمنا القاسي، وهي تطري القلب كل مشهد شعري يتغلغل في أفئدتنا بمحبة تذوب لها الجوانح.
الجدوى كلها في جرأة الحبر وشهادته على كل غدر قبل أن نغادر، نودع كلماتنا على ورق وفيَّ لوقت يأتلق، على مر العصور تتواصل الكتابة متقدة بشعلة الأمل، وهنا يكمن جدواها، لولا تأثير الشعر الدامغ الذي يثير المخيلة ويملي عليها دورها الأخاذ، لما استعادت الذاكرة قدرتها على تحدي المصير الواحد، يستمر الشعر معلناً جدواه ضد الانكسار والسلبية القاتلة، ضد الانزواء والخرس أمام ما ينتهك أرواحنا، أمام ما يحدث في عالمنا، ثمة محبرة تتسع لكل المواهب المتقدة بأرواح تتشظى وتتألم، هناك الكثير من الورق المتـأهب لاحتضان حروف تنتحب، هناك ليل يطول كلما اتقدت جمرة الشعر في حناجر لا تنسى أن تقول.
من يكتب الشعر بحثاً عن سوق له، من الأجدر به أن يتجه إلى سوق أخرى ضليعة بمبتغاه، من يكتب الشعر بحثاً عن أوهام تتعلق بالشهرة والجوائز والكرنفالات والنياشين فلن يكتب غير المديح وما يطرب الأكف لا العقول التي لا تعرف التصفيق، لن يكتب ولن يجرؤ الا على نظم الشعر المكرر الذي كتبه سابقاً في مقتبل العمر قبل أن يتقاعد مبكراً على كرسي المجد العتيد.
الشعر علاج الروح، مكاشفة النفس بما تختزن من غبطة ومن جراح، مرآة صقيلة بالهواء الخفي في اعماق الذات، الشعر توأم الحياة، غير قابل للموت، لسبب بسيط يتجلى في كونه ليس عبئاً على الحياة بل طاقة روحية نبيلة تسهم في جدوى الحياة
حديثي عن الشعر ليس دفاعاً عنه، فهو أقوى من أن يستمد جرأته من دفاعي عنه، حديثي محاولة لمداولة الأوهام وأنا أراها تستبد من حوله.