امرأة نادرة بفيض المحبة، بصيت هدوء يشبه العطر

كالجنة دوماً تصغي لرفيف الأمل

تلتاذ بأفئدة أحبة يحيطون بها

لترتاد طريقاً تختبر فيه معنى الحياة

لصوتها دفء لا ينسى

عذوبة صعبة تنتقي كلماتها من جمرة القلب

كالنرجس تحيا بصوت أقله الهمس

عندما نتشبث الآن ببئر الذاكرة نتذكر هدوئها الدائم، خطواتها الوئيدة وهي تغادر مكاناً ما، حنوها البالغ وهي تحتضن رفقة العمر، نظراتها الباسمة قبل أن تغيب نحو الهواء القليل على رئتيها

نتذكر كل ذلك لفراشة تهيم نحو وميض الحياة

امرأة سادرة نحو ما تراه الروح

لم تهتم بكثرة الكلام الذي تصاهل

لم تلتفت لرايات المراهنات في أسواق المزايدات على التضحيات

لم تقترب من صخب المنصات، لم تصغ لضجيج التصفيق أو حمى الشعارات

منذ وقت قديم مضى حتى ذهابها الرهيف صباح الأول من رمضان محمولة على الأكتاف كغيمة طال بها العطاء، كملاك يعانق حرية السماء، لم نشهد ”ليلى” يوماً تتحدث عما حدث

امرأة مجبولة بقدرتها على البذل دون أن تصف كيف أو أين ومتى

 كالوردة تتسامى بكبريائها الجليل، لتهدى العطر كله دون أن تصف معناه أو تسأل عنه

كل ما نحتته بشغاف عمرها من عطاء نبيل، بذل جريء ترامى على سفوح جبال عمان ورعونة الحياة تحت القصف هناك، تحدث عنه الآخرون، ”ليلى” لم تنطق به بل تألقت ببهاء صمتها العليم

كل التضحيات التي أضنتها بمرارة الحنين إلى الوطن

كل الآلام التي قاست من وطأتها على طراوة قلبها وحرير رئتيها وحنايا أحبتها

كل الوقت الذي شيدت به بيتاً ومستقبلاً للطفولة التائهة في قرى ”ظفار

كل الحروف التي رعتها بحنان ذاكرتها وهي تحفر طريقاً للعلم هناك

 كل تفاصيل المشقة التي واكبت سيرتها وهي تهاجر من منفى لآخر مزدانة بصلادة ونقاوة مواقفها

كل شيء لامس رفيف قلبها

 لم تصفه ”ليلى” قط

امرأة موهوبة بطبيعة البحر، عطاء لا يتعب، بجرأة موج تندفع نحو قسوة اليابسة لترتد، ثم تعاود الاندفاع دون أن يمسسها شيء من اليأس، شبه نبض يفضح القلب، كالحياة تماماً لم تمل  من نحت حرية الروح بهدوء الهواء

 كل من عرف ”ليلى”، من رفقة الماضي أو صحبة الحاضر، يتفقون على عمق صمتها الحكيم طيلة حياتها، ينذهلون من مدى قدرتها على العطاء الصعب دون حرف واحد تجاهر به

إن ريادة ” ليلى فخرو” في تاريخ الكفاح الوطني لشعب البحرين والخليج، لم تتجلى فقط في التحاقها بالنضال الحزبي السري وانضمامها لثورة ”ظفار”، وعملها على تأسيس مدرسة الثورة 9  يونيو، بل تجلت بشكل مؤثر في مدى نبل روحها طيلة ذاك الخضم الصعب من التضحيات، في مراسها الصلب ودفاعها العتيد عن حريتها وآرائها ومواقفها، في اتخاذها قرار النضال من المنفى طيلة صباها.. في زهدها وتخليها بإرادتها عن حياة رغدة لم تعني لها شيئاً أمام عذابات الناس التي كانت تعصف بذاكرتها، في ترفعها عما يحتدم من خلافات وعصبيات لا تليق أبداً، أن ريادة ”ليلى” تألقت بصفات انسانية عميقة توهجت بها سيرتها، سماحة ”ليلى” كانت جلية وهي تمضي حياتها بمحبة طاغية دون أن تكترث بسوى ذلك، كما وصفها أخوها ”عصام فخرو” في كلماته المؤثرة:

نعم، ليلى الغالية التي ولدت وترعرعت، والحمدالله في أسرة ميسورة الحال، لكن إخلاصها وصفاء قلبها وإنسانيتها وزهدها وتواضعها في الحياة أملى عليها أن تسلك مساراً آخر ارتضته لنفسها فتكون في النهاية ليلى الإنسانة المكافحة التي أحبت الناس والمعوزين  فأحبها دون استثناء كل من عرفها من عموم الناس وأقربائها وذويها.”

قبل أن تذهب ”ليلى” سريعاً الى الموت:

حفرت بنبضها تاريخاً لا يزال يخفق بحروف تستعصي على المحو،

أمهلت الألم وقتاً طويلاً ليتقن معنى البسالة وهو يرى امرأة تقاوم المرض بقلب يخفق نحو عسير الأمل، تقاوم كما فعلت دوماً ضد كل من حاول النيل من حرية لها آخر الأفق.

استوقفت ”ليلى” ذاكرتنا لنتهجى درسها طيلة الوقت:

درس مثخن بحكمة المحبة ولاشيء أقل من القلب، سيبقى شاهداً على ما يحتضنه هذا القبر:

من حرية امرأة لا توصف بالحبر وهي تحتمل كل هذا الحب