محمد النبهان
20 مارس 2008
يضعنا انقطاع الجمهور اليوم عن الشعر في فخاخ أسئلة كثيرة. السؤال عن تفاعل الشعر مع الحياة اليومية؟ وهل الشعر نخبوي أو أنه قادر على ملامسة أوجاع وهموم واهتمامات الناس بكل طبقاتهم؟ وهل الشعر كفن خاضع لمستقبل يحدد مساره الجمهور ويوجهه؟ فالشعر المعاصر شبه غائب أو هو غائب فعلا من حوارات الجمهور اليومية، من صفوف المدارس، من المكتبات، من الصحف اليومية، كل ذلك له دلالته بزعم المراقبين، على غياب الشعر عن الشعوب، أو وجود شعوب الشعر غائب عن تفكيرها، أو مغيّب.
وحين يدور الحديث هنا عن المعنى الكمي لجمهور الشعر اليوم، ترانا نحدد حضور الشعر بحضور الجمهور وهو مفهوم ملتبس الاول ينطلق من فكرة اللاجدوى، والثاني يبحث دائما عن جدوى.
في هذا التحقيق توجهنا بالسؤال إلى عدد من الشعراء العرب على اختلاف أجيالهم وتجاربهم ووصلتنا مشاركات من بعضهم سلطت الضوء على جوانب مختلفة من هذه المسألة.
الشاعرة البحرينية فوزية السندي لم تبتعد كثيراً عن آراء الشعراء السابقين وأخذت العلاقة بين الشعر والجمهور إلى أبعاد أخرى، قالت: “كل هذه المظاهر تتعلق بتداعيات قيم الاستهلاك على الصعيد الثقافي، المسألة لا تتعلق بالشعر وحده، لكنها تتأسس لتؤثر في تاريخ وحضارة عربية، هوية وشرفة إبداعية تتباهى بها الأمم.”
وتسترسل السندي «ان إشكالية التواصل بين المتلقي والعمل الفني تتمحور في كل مناحي الإبداع، هل هناك تداول جاد للكتاب الإبداعي في فوضى معارض الكتاب خارج كتب الطبخ والفضائح والأدلجة بتنويعاتها العقائدية والفكرية؟ هل ثمة متابعة رصينة للمسرح أو الموسيقى أو الفن التشكيلي؟ المصاب يتعلق ببنية مجتمعية قائمة على ترويج ثقافة استهلاكية بلغت من الهشاشة والانهزام حد تسييد التجهيل، محو الهوية، تعميم العامية، تغييب «الجمهور» وتوجيه رغائبه نحو اهتمامات بعيدة عن تحدياته الإنسانية والحضارية.
الإبداع على مر العصور كان ولم يزل خط الدفاع الأول عن حرية الكائنات، بدءاً من ذاك الكائن الرخوي المحتمي في صدفته وهو يحول انتهاك الرملة لطراوة عزلته إلى لؤلؤة فاتنة، في تجربة الشعر العربي الراهن لا توجد إشكاليات تتعلق بتفرده أو بحضوره المتميز، ولنا أن نسأل: بماذا تحتفي المؤسسات الثقافية الغربية من نتاجات العرب الإبداعية؟ هل تحتفي بالمنجزات العلمية أو الاكتشافات التقنية أو الفكرية والنقدية والفلسفية، تلك المؤسسات تستضيف وتترجم وتحاور الإبداع العربي بما يشتمل عليه من شعر ورواية وتشكيل وموسيقى، وغيرها من الفنون التراثية والمعاصرة، لكونه المنجز الوحيد الذي أتقنه المبدعون العرب وهنا أشير للإبداع المتميز الذي استطاع أن يفرض فرادته على الآخر.
أن ضعف التواصل مع التجارب الإبداعية تحقق نتيجة ضعف فعل القراءة وليس انعدام الكتابة، الشعر الحديث غير موجود في مناهجنا التعليمية ولا وسائلنا الإعلامية بما يليق به، ما عدا ندرة من أمسيات خجولة، كما لعبت الهجمة التي تعرض لها الشعر الحديث على كل المنابر والتي ما زالت رحاها مستمرة دوراً مشيناً في تعميق الهوة بينه وبين القراء، وهذه من مصائب ثقافة الاستهلاك تجاه واقعنا الثقافي المتأسس على جملة من الانهيارات القيمية والرؤيوية تجلت في سيطرة الثقافة الواحدية، غياب مكونات المجتمع المدني المتحضر المشتغل على لغة الإبداع ومحاورة الآخر لتحقيق الشراكة في صناعة العالم، مما أدى لتخلق واقع استهلاكي شل حياتنا بأكملها، هكذا تعرض الإبداع المنشغل بدفوعاته وبتميزه لصعوبات بالغة للتواصل والآخر، هذا الذي تم إشغاله وإلهاؤه بالابتذال الاستهلاكي السلعي والثقافي.
ضد كل ذلك، يتقد التحدي الإبداعي، لما للشعر من طاقة تعبيرية قادرة على الكشف وملامسة أعماق الروح لا أوجاع الناس فحسب، بل نبض الكون، هذا هو الشعر، أما الهذر المتمثل في اللغو السائد واستسهال الكتابة فلا يسمى شعراً، ثمة شعر يتلو ما تراه الروح بهدوء بالغ، وثمة شعر تحتشد له الأكف وهو يهدر على المنصات، وللمتلقي حرية الاختيار بينهما.
أما أن يكون للشعر شأن «جماهيري» فأعتقد أن هذا المفهوم الديماغوجي أتقنت تسويقه حمى الشعارات، عندما كان الشاعر يستند لترويج قصيدته النارية على الحزب أو المؤسسة الأدبية التي تدعمه، عندما كان الدعاة يسندون ضجيجه بالتصفيق وحماس الهتافات، حيث لا صوت يعلو على صوت المعركة التي رفعت راياتها المهترئة مبكراً.
منذ ذلك الوقت، والشعر يتعرض لتحديات فنية لا تتكئ على نحت الحرف بحرية بالغة، تضفير الصورة الشعرية بابتهالات حكيمة، جريئة في تصديها للحدوث، مضامين متغايرة، تحديات غير مرتهنة للآخر، بل للذات في انشطارها نحو الآخر.
عودة الشعر لمعتركه الحقيقي هذا، أذابت الضلال المغوي المتعلق بجماهيريته وصخب الكفوف، أعاده لقارئ وحيد مثله، يلتذ بقراءة الحروف دون وهم واحد يتعلق بذرى المجد وندهة الخلود.
إن علاقة الشعر كمعطى ثقافي حضاري إبداعي مع «الجمهور» يتأثر بعوامل عديدة منها مستوى العمل الفني والذائقة الفنية والمعرفية للمتلقي التي تستطيع مرافقة الرؤية الشعرية. أما فيما يتعلق باهتمام النخب فهي مسألة متاحة لهم بحرية وتندغم ضمن ذائقتهم الفنية، كل فن له بؤر نخبوية تتسع شيئاً فشيئاً مع ارتقاء الشعوب الحضاري”.