هذه الكلمات شكّلت طبيعة الإهداء في كتابي «ملاذ الروح». حينها كنت أسأل نفسي: لماذا؟
بعدها أدركت كيف يستوي الليل لي، بمعزل عن صوت العالم؛ بمعنى خفوت الوقت والضوء عني، حيث لا مليكة عليّ ولا سلطة، غير بوحٍ بنفوذٍ وحيد يستحق كل هذا الظلام الساحر. فمن غيره يواريني ويتمرأى بي؟ من غير جمرة الشعر، أو مهبّ الحلم، أو شهقة الحب؟
دوماً كنت أتوق لكتابةٍ ترحم سهو الليل، لترجمةٍ تحترف ما يعتريني من شقاء بعد كل نهار أضناني بضوئه الساطع، ذاك الساطع الذي بالكاد انحدر بعيداً عني. أهوى كتابة الليل، ربما لسيادة الهدوء التام، وغواية الغموض المتفحّم، المتلمّس هبوب الظلام.
حتى حين ألوذُ كسيرةً بصمتٍ يستولي عليّ ولا أكتب شيئاً، أحيا لأنحت فداحة الهواء بما يستبين لي منه. أسهر ليل الشعر ممتنّة لهديل شمعة تتكفّل بي، مستهامة برفيفها الخجول. أرى ليلاً لا يكفي.
الشعر تجربة نحياها، وهي تشافه خفايا النفس بدربةٍ تتلقّاها قدرة المخيّلة مع كل كتابة. ذهول موهبةٍ تتحقّق. ثمّة فعالية خاصة تنتقل بحرية بين ضيق الوعي وفضاء اللاوعي، لتكشف لنا ما يحدث هناك، في غوامض يجلوها الشعر عبر طاقة الكشف التي تتصاعد لتمسّ أعتى مجاهيل الدماغ.
هنا يجلو لنا النص الشعري بذاته مدى تصدّع ذواتنا أو اندغامها معه. وتختلف هذه المسألة من شاعر لآخر، ومن نص لآخر أيضاً، لكون حدوث هذا التجلّي الشعري خاضعاً لمدى حساسية التجربة الشعرية والحياتية.
أحياناً يستوي للشاعر شيء آخر غير ذلك، كما لاح لي ذات كتابة، عندما بدأت الكتابة بذاكرة كائنٍ آخر اغتليت بخرسه، كالحجر مثلاً، أو الحب، أو البحر، أو الجمر. لا أعرف أينني تلك اللحظة، وأنا أتمثّل تفاصيل ينوء بها هذا الآخر الذي يفعمني بصمته، وهو يرسل لي كل هذا الأنين الذي يدلّل على روحه العصية.
أيضاً ثمّة منازعة تستولي على النص ذاته، أكتشف معها فعالية التصدّع التي تثخن روح الشعر، كمثل دويّ الحياة المتصاعد الذي يشظّي ذات الشعر ويعتريها بمهاوي الألم.
للكتابة تهمة؟ هكذا بحتُ: للكتابة تهمة لا يجلو همّها غير سعاة اليأس، بجدارة القتلى آن الحرب، بهول الجثث، كلُّ قبرٍ واحد.
كتبت هذه الكلمات استشرافاً لمدى المسؤولية التي يتقدّم نحوها من يكتب؛ من سعاة اليأس، من محترفي فضح التواطؤات التي تؤرّق مستقبل الأمل. حينها تغدو الكتابة المحتملة جرأة الفضح: تهمة! لكونها تمثّل خروجاً على حديد القيد الذي يدرز حدود الدرب لمستقبل الأحفاد.
تستوي خطيئة تلك الخروجيات الرؤيوية والإبداعية لكل من يكتب الشعر، سواء كان رجلاً أو امرأة، تبعاً لمدى حضور نصّه الإبداعي وقدرته على تعرية المسكوت عنه.
فيما يتعلّق بكتابة المرأة، ثمّة خصوصية يتقنها واقع الاستلاب الإنساني الذي تحياه المرأة/الأنثى: كل نبذ، كل إرث ثقيل يعتني بأثقال الغبن الذي تنوء به. هذا التمييز الجندري يضاعف من تهمة الشعر، ويحوّلها إلى جريمة، لا معصية، بل جريرة لا تُغتفر.
لأنها تحوّلت من مكانة الصمت، من سكون البيت، إلى فسيح الصوت، فغدت تهديداً خطيراً قد يقوّض سلام الصمت الراهن المتسيّد عبر إلغاء حضورها “المُخرب”. لذا يتعرّض صوتها لمساءلة لا تغفر لها حرية القول وبذل الكلمات، بالذات تلك الكلمات التي تدين كبح التاريخ الذكوري لها، وتشير بأصابع تمتدّ وتحتدّ كالنصل لقساةٍ يدمّرون هواء حرياتها.
هذا العسف تجاه كتابة المرأة في راهننا العربي ساهم في تمويه وإلغاء لاحترام صوتها والإصغاء بحرية لبلاغة جرأتها الشعرية. حدث هذا الجرم كمحاولة لاتقاء ما في هذا الشعر من قدرة على مواجهة التفكير والقسر الذكوري، واستكناه الخافي من مشاعر الكبت والنفي والوأد الذي رافق تاريخها.
ويشتدّ النفي حين حرية الحب، لذا تتكالب التهم، وتتعالى المقاصل. وما تفشّى في هذا الأوان، وما يُبذل في الصحافة الثقافية من مصطلحٍ مشينٍ مستخف، استشرى في عبارة «الأدب النسائي»، ليس إلا معولاً صدئاً يراهن على إقصاء كتابة المرأة وتحويلها نحو قيد الهامش المغبر، مرة أخرى.
الشعر حصاري الوحيد الشاسع.