حنجرة الغائب

لوّحَ بعكازيكَ من نافذةٍ تركضْ
كأنّها بياضًا يتقدّمُ غُرّةَ كتفيكْ… أيّها الأعزلْ
يا ملتفًّا بهواءٍ جاثمٍ لا يرأفُ بشهوةِ الفرارْ
ملتحفًا بملجئك الوحيدْ:
شرفةٌ تحلّقُ عاليًا كقميصِ اللقالقْ
وأنتَ هناكْ
لا تفتحْ يديك هنا
لئلّا تفقدْ طراوةَ الغرقْ ونزهةَ الشكْ

تشبّثْ بمسائك الوحيدْ الممسوسْ بك
وبمناقيرَ صديقةٍ ترفو تهتّكاتِ الوحشةْ
دونْ على كتفيه ما يحتلُّ جسدكْ
من دبيبِ السحالي التي تحاكي دبقَ الوقتْ
ليحتضنْ انسراحك الألفْ
لا تكتبْ
لا تطرقْ سندانَ الروحْ
لا تحلمْ وحدكْ
أو برفقةِ ملاحينَ يطهونَ مراكبَ من ورقِ الكتابةْ
لا تتذكّرْ ما تنساه خطاكْ
لا تقسو على فحولةِ قطنِ الطفولةْ
حدّقْ
حدّقْ… هكذا ملءَ قلبكْ
دونْ أن ينزلقْ حائطُ الجفنْ ويجفو
كالآخرينْ… من أصابوكْ في خندقِ الطاولةْ
حدّقْ… هكذا مثلَ نسرْ
ينزعْ فتوى الآفاقْ ليرشقَها بحدّةِ السرْ
حدّقْ

من شرفتك المخلوعةْ التي تهيمْ بك
من مخلبِ دمْ يتجاسرْ على قلعةِ القلبْ
من جريرةِ زنادْ يكبحْ حلمكْ
من دوّارْ يصنعْ مدارًا لنبضكْ
من حبّارْ يكتبْ فيما ينسى البحرْ
من أفيالْ تسندْ كتفيكْ… وتميلْ
منكْ أيّها المتصدّعْ من ماءٍ لا ينسى ما حولكْ
من غدرِ ما مضى وما تبقّى في كأسِ ليلكْ
أيّها المصابْ بفصاحةِ البكاءْ
آنَ لكْ أن تطغى
يكفيكْ أن تنهرَ الهواءْ بغضبٍ آخرْ
لا يشعلْ ماءَ الجسدْ
بل يؤلّبْ فداحةَ النظرْ
دونْ أن تكتبْ

لن تقوْ يداكْ على هصرِ أزميلِ الرؤى
لن تقوْ وأنتَ مؤرجحْ بين مظلّاتِ الغيمْ وصرخةِ الأرضْ
أن تراوغْ بياضًا يتمتمْ بدلالِ الصبايا المدلّهاتْ بخلاخيلِ الغوايةْ
لن يغفرنْ لك
صقيعُ الدمْ ورندحةُ الظلْ

لن تقوْ وأنتَ ترى:
فتيةَ فلسطينْ يضرجونَ المهدْ بوثبةِ الهدايا وقبضةِ الموتْ
بيتَ بيروتْ يغادرُ المدى ويمدحُ مديّةَ الأصدقاءْ
بحرًا ميّتًا، مدينةً تأسرُها الأنقاضْ وأحلافًا تتقاسمُ فطيرةَ التفاحْ
طعنةً تباغتْ كفّيكْ ممرّغةً بوحلِ الحناجرْ
جسدًا يكتبْ لئلّا يموتْ
طريقًا لا يراكْ لينحني أمامَ الطرقاتْ
يباسًا، يباسًا لا ترى فيه غيرَ ضراوةِ الفقدْ
مقاهٍ مفعمةٍ برائحةِ البوحْ
مشانقْ تقطفْ أنفاسَ زرافْ يشهرُ جرأةَ الأعناقْ
شعوبًا ترفعْ قبعةَ الماضي تمجيدًا لقراصنةِ الأيامْ
جثثًا تموجُ بها الطرقاتْ
زنازينْ تؤجّلْ بهجةَ الأجنحةْ
قادةً بواسلْ يذرعونَ الأرحامْ بحثًا عن رضيعٍ خائنْ
نشيجًا ينسجْ يقظةَ الليلْ
لن تقوْ

لكَ الآنْ أن تثقبْ ما يعبثُ بترفِ عينيكْ
ويضجُّ في جمجمةٍ للجمحْ
وأنتَ تسرحْ أجفانًا جافلةَ الأحداقْ
مرتهبًا من سطوةِ الخيالْ
يتراءى لكْ:
سعاةْ يضلّلونَ الحبرْ
سواعدْ تحتفلُ بجرأةِ العضلْ
ربّانةْ يوزّعونَ نقمةَ البيارقْ على جنوحِ الموجْ
بيوتًا لا تنامْ دونَ أن تحلمْ بانهدامِ البابْ
ندوبًا لا تنسى
زنازينْ تحرّضُ الزنازينْ لتخلعَ الوقتْ
جماجمْ تصوغُ بطولاتِ الهزائمْ
طفلًا ينفضُ طميَ الوقتْ—شرنقةَ البدءْ
ليرى مهارةَ الجمهراتْ في شهوةِ الذبحْ
ويأسًا يشحذُ الهواءْ

لكَ أن تتباهى بما لم تحدسْ به الذاكرةْ
من مسرّاتٍ آنَ لها أن تقتحمَ ورقَ الحائطْ
ورقُ الحائطْ لا يتّسعْ لنظرةٍ أخرى
لا عليكْ
لم تعدْ هنالكْ جنّةٌ أخرى
غيرَ ما يجنُّ في بسالةِ الرأسْ
غيرَ أن ترى جفوةَ ما ينالكْ
كلّما أمعنَ هذا النهارْ في تأجيلِ ما ظنَّ به الليلْ

لكي يمحو الموتُ ظلًّا يطاردُ فتنةَ الجسدْ
هيكلًا يراوغُ هجمةَ الناسْ
لكَ أن تتشبّثْ بجناحيكْ
وشرفتكَ الوحيدةْ
التي لن تشفى من كيدِ يديكْ
كلّما أغدقتْ نوحَ الكبدْ بكبرياءِ الكتابةْ
شرفتكَ الوحيدةْ
هذا الملاكْ الذي في نقاوةِ الكلامْ
عندما يومضْ في خلجةِ الذبحْ
شرفةٌ لن تشفى منكْ
أيّتها المكيدةْ التي
تعلو
تعلو
في حضنِ الشاسعْ الذي
يغيبْ
يغيبْ
يغيبْ
ليتّقدْ

فحدّقْ
حدّقْ
حدّقْ

وميضٌ لا مفرَّ منه:
شرفتكَ الوحيدةْ: لا تقبلْ بأقلَّ ممّا يحدثْ لكْ
جمجمةٌ للجمحْ: آنيةُ الفوضى، قبضةُ الجحيمْ
قِمّةُ الجسدْ مدعوًّا لترنّحاتِ الهاويةْ
ماءُ الجسدْ: نهرٌ يكتبُ أخطاءَ الروحْ
سعاةٌ يضلّلونَ الحبرْ: ندامى الجنّة، ندرةٌ من سقاةِ الندمْ
مساؤك الوحيدْ: مسٌّ من ضوءٍ فاضحْ
ذاكرتي: بئرٌ مهملْ يشحذهُ حبلٌ أضاعَ بكرتهْ، فتحصّنْ بمياهٍ تشبهُ المرساةْ
قطنُ الطفولةْ: ما يندفُ الروحْ
مدارُ النبضْ: لا منتهى الدمْ، حقلُ القلبْ
أزميلُ الرؤياْ: نورجٌ يسمّونه القلمْ لأنّه ما يقلمُ الكلامَ حدَّ السيفْ
خلاخيلُ الغوايةْ: سرجٌ من الرنينْ يبهرُ الأرانبْ فتحتفلُ بالغرابةْ
أن تطغى: أن تختارَ الموتْ أو الموتْ
جريرةُ الزنادْ: صعبٌ أن أتحدّثَ عنها هنا لأنّها أوصدتِ البابْ هناكْ
جفوةُ ما ينالكْ: مؤلمٌ أن تصفَ ما يشبهُ مجسّاتِ الناسْ
هجمةُ الناسْ: ما ينتظرُنا من فخاخْ كلَّ نهارٍ يبدأُ بصباحِ الخيرْ ولا ينتهي بهْ
ما تنساهُ خطاكْ: منجنيقُ الذاكرةْ
أن تحدّقْ: أن لا ترى ما يراكْ

الهديل

رُبَّما
هُوَ
الحُبُّ
أَنْ لا تَرى أَحَدًا
وَأَصابِعُكَ تَمورُ بِرَعدَةِ الوِحدَةِ في دَغَلِ المَشيبِ
وَأَنتَ تُلاطِفُ هَديلَ الرَّغبَةِ
أَنْ لا تَرى غَيرَ مَقعَدٍ فارِغٍ في مُنتَزَهٍ...

في خلوةِ الذبيحةْ

(1)
ليس جسدًا ما ترى
لكنّه جسارةُ الوحشةْ وحديقةُ الدمْ
تجنُّ فيهْ
وتُصغي إليهْ

نبضُ ليلٍ يشبهُ المطرْ
تنفرُ منهْ
لترى صورةَ الروحْ
مترنّحًا لضراوةِ رمحٍ ضاغنْ...

كل هذا الوله

يا حُريَّةَ الحُبِّ
حَنينَ البَيتِ
مِن حَضنٍ شاسِعٍ يَطوي غُربَةَ الأَعضاءِ في لَسمَةِ اللَّيلِ
تَنشُرينَ دِفئًا يُطفِئُ رَعدَةَ اللَّهاثِ
خَلفَ دَمعٍ يَنحَدِرُ بَطيئًا
كَأَنَّهُ جِزيَةُ...

ممالك

الهَواءُ
دَليلُ الأَعمى

أَيَّتُها الإِبرَةُ
يا مَن تُخيطُ لَنا

جَسَدًا مِنَ الجِراحِ
أَما زِلْتِ عاريَةً؟

أَحبَبتُهُ
هَذا الطّائِرَ الَّذي بِلا جَناحٍ يَحلِقُ
وَأَحَبَّني

أَنا الجَناحُ...