حنجرة الغائب

يا حُريَّةَ الحُبِّ
حَنينَ البَيتِ
مِن حَضنٍ شاسِعٍ يَطوي غُربَةَ الأَعضاءِ في لَسمَةِ اللَّيلِ
تَنشُرينَ دِفئًا يُطفِئُ رَعدَةَ اللَّهاثِ
خَلفَ دَمعٍ يَنحَدِرُ بَطيئًا
كَأَنَّهُ جِزيَةُ السَّهادِ

كُلُّ وحدَةٍ وَأَنتِ:
صَحراءُ حُبٍّ تَأوِي غِزلانَ الضَّجَرِ
ماءٌ يَقدَحُ كَمَواويلَ يَسكُنُها القَلبُ
هَواءٌ يَجِفُّ حَولَ قُدورٍ تَطبُخُ العُمُرَ
وَنَغمٌ يُهدي عَريشَةَ الطُّفولَةِ بَسمَةَ المُتاهِ

لَكِ حَريُرُ الورْدَةِ
وَلي حَسرَةُ البَراعِمِ

يا رَحِمًا يَتَّسِعُ لِيَحتَمِلَ عَطايا الأَعضاءِ
وَحُمّى الأَنفاسِ
أَسرُدُها حَولَ رَحيقِ القُطنِ
فَتَلجَئينَ لِمَهارَةِ الحَليبِ
نَهرُ حَنانٍ يَغمُرُني بِوَميضِ الصَّحوِ
ضَبابُ الهَمسِ
فَأَهمُسُ لِنُدوبٍ كَالرَّأسِ:
هَبيني جُنونَ الحُلمِ

هَلِ امرَأَةٌ يَنتابُها هَمُّ الأُنوثَةِ
أَم بِحيْرَةٌ تُلهِمُ وَعَرَ الضِّفافِ بِحَيرَتِها
مُتَشَحَّةٌ بِغُبارِ الماضي وَطَمْيِ الوَقتِ
مُثقَلَةٌ بِغَزَواتِ الغَدرِ
تُشعِلُ المَسَرّاتِ لي
غُصنًا .. غُصنًا
فَأَلهو بِوارِفِ اللَّهَبِ وَثَلجِ الظِّلالِ
يُضَلِّلُ خُطوي إِلَيكِ

يا نارًا تُسْنِدُ الذّاكِرَةَ
نَحيبًا يَرفو قُطيفَةَ المَهدِ
كُلُّ دَمٍ أَنتِ
كُلُّ شَهيقٍ داهَمَ الرِّئَةَ ذاتَ أَلَمٍ لَم يَنتَه أَنتِ
وَكُلُّ أَسًى مُتَوَّجٌ بِاندِياحِ المَجدِ أَنتِ
فَكَيفَ لي أَن أَصِفَ:
نَقاوَةَ الخَوفِ
صَلاةَ القَهوَةِ
صَريخَةَ الرَّغيفِ
وَفَزّاعاتِ الكَونِ تَحلِقُ كَالقَتلِ حَولي

كُلَّما عانَقتُ مِخلَبَ اليَقظَةِ
حاصَرَني الشَّوقُ لِصَمتِ البَيتِ الأَوَّلِ
لِظِلالِ دَمٍ تَخلَقُ في حَرقَةِ الصَّوتِ
كَعُصفورٍ مُكتَنِزٍ بِرَأفَةِ الرِّيشِ
وَغَنَجِ الأَجنِحَةِ
كُلَّما سَأَلتُ الطَّريقَ
اِبْتَعَدَ وَخاصَمَ الخُطى
لِأَمضي وَحدي
كَعاصِفَةٍ تُغوي الغُبارَ بِحُريَّةِ الزّوبَعَةِ
وَ وَحدي
أَبِحْتُ لِحَنجَرَتي حُريَّةَ الشَّنقِ

لَو كُنتُ أَعرِفُ كَيفَ أَقولُ البَحرَ
بِهَديرٍ لا يَخضَعْ
أَصدافٍ لا تَخدَعْ
بِالأُفقِ الرّائِي
وَالفَرَحِ الغَريقِ
بِمَلوحَةٍ تَرفَقُ بِالغَرقى
فَلا تَنأى بِهِم عَن مَلاذِ المَوتِ
لَقُلتُ لِلَبَحرِ
لَو كُنتُ أَعرِفُ كَيفَ أَقولُ أُحِبُّكِ
لَما اِحتَمَيتُ بِوَلَعِ الكِتابَةِ
لَو أَعرِفُ كَيفَ أُحِبُّكِ
لَما اِزدَدْتُ بِفيضِ الخِبرَةِ
لِأَجلو جَمرَ الوَلهِ
إِلَيكِ

يا مَدارَ الأَمَلِ
أُحِبُّ رائِحَةَ الفِراسَةِ في قَديمِ الأَغاني
بِدعَةَ البَردِ وَأَنتِ تَحْرُسينَ شَعري
بِدَلالِ يَدَيكِ

أُحِبُّ الخَوفَ
وَكُلَّ غَفلَةٍ تَحتَمينَ بِها
لِتَحصُدينَ هَجمَةَ العائِلَةِ
غِيلَةَ اللَّيلِ
وَحدَكِ

أُحِبُّ ثَوبَكِ المَنشّى بِصَندَلِ العُرسِ
رَنينَ الأَساوِرِ
هَذَيانَ الذَّهَبِ في قَلائِدِ صَمتِكِ
وَصَوتَكِ:
أَسيرٌ يَتَسَلَّلُ لِمَقصورَةِ القَلبِ
شَيطانٌ رَحيِمٌ يُحَرِّضُ سَهوَ النَّبضِ

أُحِبُّ رِعدَةَ كَتِفَيكِ
كُلَّما غَفَوتِ عَلى عَواصِفِ النَّشيجِ
لِأَعرِفَ أَنَّ الحُزْنَ سَيِّدُ هذا الجَسَدِ
وَالقَبرُ أُرجوحَةُ الرُّوحِ

لِأَخجَلَ مِنكِ
وَأَنتِ تُعِدّينَ سَهرَةَ العَشاءِ
تُلَوِّحينَ لِلمَوتِ
لِيَبتَعِدَ عَنكِ
………… لِكَي تَنضَجَ المائِدَةُ
فَيَخجَلُ مِنكِ

يا
جُرحًا يَحوكُ سَجّادَةَ الغُفرانِ
وَطَنًا يَمنَحُ السّاهِرينَ هُدأةَ المَساءِ

هَكَذا
كُلُّ مُحْنَةٍ
كُلُّ قَسوَةٍ
كُلُّ اِنتِهاكٍ
أَراكِ
مَوجًا يَغتَرِفُ خَفايا الأَعماقِ

الهديل

رُبَّما
هُوَ
الحُبُّ
أَنْ لا تَرى أَحَدًا
وَأَصابِعُكَ تَمورُ بِرَعدَةِ الوِحدَةِ في دَغَلِ المَشيبِ
وَأَنتَ تُلاطِفُ هَديلَ الرَّغبَةِ
أَنْ لا تَرى غَيرَ مَقعَدٍ فارِغٍ في مُنتَزَهٍ...

عن حصنٍ يشبهُ الحضنْ

لوّحَ بعكازيكَ من نافذةٍ تركضْ
كأنّها بياضًا يتقدّمُ غُرّةَ كتفيكْ… أيّها الأعزلْ
يا ملتفًّا بهواءٍ جاثمٍ لا يرأفُ بشهوةِ الفرارْ
ملتحفًا بملجئك الوحيدْ:
شرفةٌ...

في خلوةِ الذبيحةْ

(1)
ليس جسدًا ما ترى
لكنّه جسارةُ الوحشةْ وحديقةُ الدمْ
تجنُّ فيهْ
وتُصغي إليهْ

نبضُ ليلٍ يشبهُ المطرْ
تنفرُ منهْ
لترى صورةَ الروحْ
مترنّحًا لضراوةِ رمحٍ ضاغنْ...

ممالك

الهَواءُ
دَليلُ الأَعمى

أَيَّتُها الإِبرَةُ
يا مَن تُخيطُ لَنا

جَسَدًا مِنَ الجِراحِ
أَما زِلْتِ عاريَةً؟

أَحبَبتُهُ
هَذا الطّائِرَ الَّذي بِلا جَناحٍ يَحلِقُ
وَأَحَبَّني

أَنا الجَناحُ...