فوزيه السندي

هل أرى ما حولي، هل أصف ماحدث

النَّصُّ الأَوَّلُ:

حينَ أُحِبُّكَ
أَزهو كَزَغاريدَ مُرَصَّعَةٍ في جَلَبَةِ الدّارِ، بارِقَةً كَشَمعدانٍ مَصقولٍ، فائِرَةَ الجَوانِحِ،
وَباهِرَةً كَجوقَةٍ تَحيكُ سَلالِمَ القَلبِ. الرَّعدَةُ وارِفَةٌ، وَسِوارُها المُبتَلُّ بِرَحيقِ الأَنفاسِ وَهَيبَةِ السُّطوعِ، جارِحَةً هِيَ اللَّحظَةُ وَهِياجُها المُفَجِّرُ خَوابِيَ الرُّوحِ وَحَمَّى الجُذورِ.

أَواهَني حُبُّكَ، لِذا أَستَحي مِن دُوارٍ يَلِفُّ بي، أَفئِدَةٍ تَدفَأُ بي، وَقَلبٍ يَهُفُّ لي.. لِما بي.

آنَ أُحِبُّكَ
أَصبُو وَجلَةً لِغَفوٍ يَتَهادى في خَواصِّ التَّبَدُّلِ وَخُصومَةِ البَلادَةِ. داهِيَةُ كُلِّ الأَلغازِ المُحاطَةِ بِالمَجونِ. لِوَهْلَةٍ أَعتَريها دونَ تَرَدُّدٍ، مُشتاقَةً طُفولَةَ اِقتِرابِكَ وَخَفَّتِكَ الغائِرَةِ، بِذاتِ اللَّهفَةِ، بِذاتِ الهَفهَفَةِ المُحيِرَةِ.

كَما أُحِبُّكَ
أَجولُ لِغابَةٍ تُدرِكُني مُنبَهِرَةً كَفَراشَةٍ مُعَلَّقَةٍ حَولَ نَيازِكِ عِشْقِكَ، دِفئاً يَندَفُّ أَضلاعي، ها أَنتَ كَعادَتِكَ المُغِيرَةِ تَلِفُّ الشَّواخِصَ وَتَغَلغِلُ حُبي عَقيقاً، كَقَلائدَ مُرتَجِفَةٍ بِدِفءِ طَوافِكَ.. تَتَحَفُّ شَغَفي الباهي بِطيبِ الأَنفاسِ.. وَلَيسَ لي سِواكَ.

سِوى أَنِّي أُحِبُّكَ، أَنهَكَ شَراذِمَ التَّجَلِّي، مُقَطَّرَةً تَتَدَلّهى الواعِي وَشِباكَ الغَرائِزِ في اِحتِكامِها الوَديعِ، لَيسَ لي في نَواقِصِ الأَجناسِ غَيرَ تاجٍ مِنَ النَّفائِسِ وَالأَغلالِ،
أَهواكَ أَو أُحِبُّكَ. كُلُّها أَهوالي.

كيفَ أُحِبُّكَ
أَصولُ في بَراثِنَ خَفِيَّةٍ، مُنشَدَةً بِفاتِنٍ لي في سَناهُ قَناديلَ وَسَتائِرَ مُسدولَةٍ وَمَنافِضَ تَكتَوي بِرَمادِها وَشَقاوَةٍ كَفيْلَةٍ بِالتَّجَلِّي.. أَقلِبُها وَأُقَبِّلُ جامِعَةً، مُجَنَّحَةً نَحوكَ.. كَونُكَ الآهِلُ بِرَجائي حَولَكَ.

كيفَ: ………
أَما أُحِبُّكَ: تَنشُرُ التَّشَظِّي وَتُشيرُ إِلَيكَ بِعِنايَةٍ.

وَما أَن أُحِبُّكَ
حَتَّى تَرى البِحارَ في غَمَرَةِ شَدوِ النَّوارِسِ، وَرَصانَةَ السَّواحِلِ، رَعدَةَ الشَّمسِ،
وَغرَّةَ الزَّبَدِ، كُلُّها تَصطَفُّ بِتَفاصيلِها البَديعَةِ بَينَ ارتِعاشِ يَدي وَدَهليزِ صَمتِكَ.

وَأُحِبُّكَ
ما أَن تَفزَعُ الشَّمسُ أَعشاشَ العَصافيرِ وَتَتَأَجَّجُ في مَواقِعِ سُطوعِها، حَتَّى تَبتَهِلُ وَيَفيضُ القَمَرُ بِمَشيئَتِهِ وَرَغَدِ فِضَّتِهِ.. هَل هذا يَكفي؟ لأَتَرَيَّشُ في نَحلُقِ النَّواهي المُصاغَةِ لِلبَطشِ بِشَوقٍ يَنهُزُ بي.
أُساوِرُكَ وَأَخلو بِيقينِكَ وَأَقرَعُ أَنخابَكَ كَجِنِّيَّةٍ عَصِيَّةٍ وَأَنتَ كَسَهلٍ عاصٍ.

النَّصُّ الثّاني:

إِنهَضي أَيَّتُها المُناديلُ المُوشاةُ بِالثُّلوجِ
اِنتَعِلي أُودِيَتي وَشَقاءَ اِنتِظاري الذَّليلَ، مَصائِرَ تَجدُ بي، وَشَرائِطَ التَّذَكُّرِ تُبِثُّ هَيامَ الأَسى.. لَو يَصِلُ.
لَو يَنتَخِبُ الوَقتُ، مُستَهِلّاً كومَةَ الأَجيجِ بِقَلبي، ناعِلاً خَطوَ التَّشَظِّي، يَدُكَ زُجاجُ وَجهي المُعَلَّقِ كَالشُّرُفاتِ الظَّليلَةِ وَأَماسيها المُورِقَةِ.

تَوَلَّعتُ بِأَشكالِ اللَّيلِ المُنهالَةِ بِدَقيقِ القَمَرِ، وَأَتْباعِهِ مِن عُشّاقٍ مارِقينَ، وَالطَّريقُ لا يَزالُ مُنكَبّاً
غَيرَ عابِئٍ.
وَأَنا وَحدي كَزَغلَلَةٍ ضَوئِيَّةٍ مُتريِّثَةٍ في تَنَبُّؤِ المَجِيءِ.. أَتجيءُ.

غَطيطُ العَصافيرِ وَأَحلامُها المُتَهَدِّلَةُ تَتوارى حينَ اِلتفاتي.. أَراها تَستَخفُّ بِاِمتِثالي.
آه.. لَو تَنشَقُّ نَحوي.. مُنصَبّاً كَنَهرٍ، مائِلاً كَمَرعى، مُشاغِباً كَمَوجٍ.. تَطايَرُ أَقمِشَةُ اللَّوعَةِ وَحَريُرُ الحَيرَةِ.
تَهمُسُ: اِقتَربي.
أَو تَقتَرِبُ: اِهمُسي.

أَجلوكَ أَيَّها اللَّغزُ
عِندي خُرقةٌ مَعجونَةٌ بِتَناهيدِ التَّضَرُّعِ، مَصقولَةً، أَرُشِّقُها في يَسارِ الصَّدرِ كَنَبَتَةٍ
هَذا أَنتَ.
بِقُمصانِكَ العاصِفَةِ مِن أَنسِجَةِ الضِّياءِ وَيَدِكَ مِن ماءِ البَراكينِ وَشَعرِكَ المُتماوِهُ
وَظِلالِكَ في حِدَّةِ المُلابَسَةِ.
عَيناكَ وَلُغاتُ العالَمِ مُنسَكِبَةٌ.
غَبطَةُ العُشّاقِ المُتَراخينَ في الحَدائِقِ وَثَرثَرَةُ الشَّواطِئِ، كُلُّها هاتِفَةٌ: هَذا أَنتَ.

أَجوسُ نِبالَكَ المُشرئِبَةَ تَختَبِرُ صُدوعي وَانكِساري الهاذي.
تَذَكَّرتُ. قُلتُ: هَذا مِرانُ التَّقصِّي وَخَلجَةُ الشَّواغِفِ إِذ تَرتَدي.
هَذا أَنتَ،
كيفَ لي أَلا أُحِبَّكَ وَكُلُّ المَخارِجِ مِن تَعَبِ الأَسئِلَةِ تَلوذُ بِفِرارِكَ وَغَورِكَ.

لي كَوارِثُ تَهتَدي وَتَهدَأُ إِذ تَلقاكَ بِحُلمِكَ وَأَحوالِكَ.
أَن أَدخُلَ المَعاصي وَحَمَّى البُروقِ، كُلُّها لَهْواً لَو تَقارَبَ كَفُّ النّارِ بِلَهوِكَ.
لا ……
أُحِبُّكَ تَنوُّري الخافِتُ
مِراني الأَزَليُّ
وَمِرآتَكَ.

النَّصُّ الأَخيرُ:

كُلُّ هذا الجَورِ لي
لي بَراثِنُ الشُّكوكِ وَانهِمارُ الأَثمِ.
لَم تَتحَقَّقي أَيَّتُها الحَبيبَةُ في لَوعَةِ الجَداوِلِ وَمُنتَهى الهَياكِلِ
وَأتاكَ كُلُّ هذا البَطشِ وَالنَّدَفِ لِأَجراسٍ تَنكأُ الجَسَدَ وَتُهَلِّلُ الأَضلاعَ، بارِقَةً بِعَناوينِ المُهانَةِ.
شاقَ عَلَيَّ.
أُسَوِّي كُلَّ بِحورِكَ وَأُلقيها في حَمحَمَةٍ ضارِيَةٍ، وَمَن لي؟
غَيرَ طيفٍ يَدُقُّ نَوافِذَ الرَّعدَةِ في لَيلِ البَردِ.
جَمرَةٌ أُسرِجُها بَينَ مَعاطِفِ الوَقتِ.
لَوزَةٌ تَمايَلُ وَلهيَ اللَّاهِبِ في صَمتٍ.

أَيَّتُها المَرأَةُ.. يا مِرآتي
أَشفيكُ.
ناغِمُ قُربَكَ، لَو أَنَّ الدَّهرَ يَميطُ لِثامَ المَساءِ قَليلاً.. لَراوَدتُ خُلجانَ الدَّفقِ وَغَلَّفتُ البَنَفسَجَ في حَمَّى الأَشكالِ حَولَكَ، أَهرِقُ العَطايا وَأُؤمِنُ بِالسَّلوى وَ.

مِرآتي.. أُوقِظيني
أَراكَ مُغَلَّفَةً بِاِنتِظاري، وَأَعرِفُ أَنِّي أُحِبُّكَ وَأَنَّ المَسافَةَ صَقيقٌ بَينَنا، تَشتَدُّ بَرداً لَو تَأَخَّرتَ.. طَرفاها جَمرٌ راجِفٌ، لَكِنَّ الطَّريقَ المُوغِلَ يَنأى، مَسيجاً بِالثُّلوجِ وَالخَوفِ.. إِنّي..
ناتِئٌ دونَكَ، يا راحَتي المُزيلَةُ حَمَّى الأَوَهانِ، اِنتَظِري مَروري بِحَقائِبِ الأَجنِحَةِ وَمَتاعِبِ الطُّرُقِ، لِأَسفَحَها تَحتَ جُذوعِكَ المُتَداخِلَةِ بِعُروقي بُورفٌ وَتَفَصُّدٌ.. اِنتَظِري أَيَّتُها المالِحَةُ بِعَرقِ التَّوقِ اللَّاهِبِ.. اِنتَظِريني..

هُبوبي كَأَبخِرَةٍ مُنعَقِدَةٍ في بهوِ صَدرِكَ، مُمْتَشِقٌ جَسَدي كَأَعمِدَةِ الشُّرُفاتِ المُحتَضِنَةِ عودَكَ الطَّريَّ في ظُلمَةٍ بارِدَةٍ.
أَعلَمُ، لَو حُبُّكَ حَبلٌ يَلِفُّ جِهاتي، يَغلُّ وَيَفتِلُ وَلهيَ الشّاقي، لَارتَضَيتُ شَقائي، حُفرَةٌ لِلقلبِ تَرتَجُّ لِفِعلِ النَّبضِ الهاتِفِ بِاسمِكَ.

حُبُّكَ
سُطوري وَسَحقي المُلازِمُ لِهَفَّةِ الغَبطَةِ وَشَكَّةِ الأَلمِ.
تَوَهِّي وَرَخامَةُ الكَلامِ وَبَدءُ الغَرَقِ.
حُبُّكَ أَنتَ وَأَنتَ.
اِحتِمالُ الفُصولِ
وَشَأنُ التَّناغُمِ
وَزِعامَةُ القَلبِ
وَفَوزُ الدُّخولِ.

شئون خاصة جداً

وَالذاكِرَةُ مُشتَعِلَةٌ يُسْهَلُ الذَّهابُ
في رِهافَةِ الأَمكِنَةِ
لِوَصلِ الفَزَعِ بِأَثوابِ الجِدَّةِ
بِالرَّغمِ مِن
أَعمِدَةِ الرُّخامِ المُشَيَّدَةِ
كَفاصِلٍ قَسريٍّ
ضِدَّ اِغتِرابِ الفِعلِ
وَمُسَمَّياتِهِ الجارِحَةِ
ومَراياها المُرتَعِشَةِ

أُقبِلُ
مُحَمَّلَةً بِتَفاصيلَ صَغيرَةٍ
تُشعِرُني...

متواليات

أَشُكُّ خُيوطَ الدَّقائِقِ المُنفَلِتَةِ بِبُرودي
وَأَنا تَنوُّرُ الهُداةِ وَنَهضَةُ البَراكينِ
مُصطَلِيَةً

لَو تَمُرُّ بِبابِ الدَّواهي
الَّتي أَشعَلَتني
لَاِنصَهَرتَ بِقُربي

أَحنُ صَفائِحَ مَجدِكَ الفاتِرِ
وَاحتَمِلُ حَجَرَ...