(1)
ليس جسدًا ما ترى
لكنّه جسارةُ الوحشةْ وحديقةُ الدمْ
تجنُّ فيهْ
وتُصغي إليهْ
نبضُ ليلٍ يشبهُ المطرْ
تنفرُ منهْ
لترى صورةَ الروحْ
مترنّحًا لضراوةِ رمحٍ ضاغنْ لا يعفُّ عن الغدرْ
مشحوذًا بعتاةٍ يؤرجحونَ الطرقْ بجثثٍ في شراهةِ الشنقْ
يضجّونَ مثلَ يعاسيبْ تخترقُ همسَ العسلْ
فترى الليلَ ما يمنحكْ حريةَ الأسرْ
واقفًا خلفكْ يشدُّ ردنَ وقتٍ كالقتلْ
فتنهالُ راعيةُ الرحمِ الأوّلْ وهي تقضمُ فاتحةَ المعصيةْ
هيئةُ الكلامِ الأوّلْ
رهيفًا كالسيفْ
لا، ليس جرحًا ما يحرّضُ هجمةَ النصلْ
بل جُعلانْ تنكشُ الرئةْ بزفيرِ الزعفرانْ
وتحتلُّ فرادةَ الهتفْ ومرارةَ الأقحوانْ
لكْ
حقلُ الألمْ
وغضاريفْ تمنحُ العنقَ استدارةَ الصهوةْ
كلّما ارتجَّ القلبْ بخبطِ أفعى الدمْ
لا، ليس موتًا ما ينقضُّ على نسلِ الموتى من حولكْ
بل موجًا سرّحتهُ مجاهيلْ
تسوسُ وهمَ الطبيعةْ بحبائلِ الصدفةْ
وتؤرّخُ في صحائفِ الخلقْ ما ترمدَ من أعضاءِ هذه المجرةْ
يا لقسوةِ برتقالةِ الأرضْ
لم تعدْ هنالكْ جثّةْ
ثمّةْ ما يجثو في قصعةِ القبرْ
لا جثّةْ ولا جنازةْ
ثمّةْ نسيانٌ يشبهُ الناسْ
فدعْ عبءَ الموتْ لكْ
وخلجةَ الدمِ الأخيرةْ
مثلَ كأسِ الكلامِ الأخيرْ
احتشدْ أيّها النفيرْ
ويا معدنَ الناسْ، يا منشدي حموضةِ الدسيسةْ
يا مخلبَ الفاجعةْ
انقضوا
وأنتنَّ يا نسوةَ المهالكْ، اندبنْ دمًا جاشَ على مذبحِ الخطيئةْ
أفرغنْ سلالَ العويلْ
واسفحنْ حليبَ الحبْ
لهذا الجسدْ الذي في سهرةِ الخلقْ
لهذه الكأسْ:
نخبُ صعاليكْ مسّوا ذخيرةَ القلبْ
نخبُ محنةٍ أغشاها بحدِّ الحلمْ – حيلةَ المهدْ
نخبُ صباحٍ يصدُّ ضراوةَ الوقتْ
هذه الكتفْ:
قَبّانْ يزنُ الغوائلْ
محتملُ بردِ الضغائنْ
هازئٌ بغفلةِ الرميّةْ
هذا الصوتْ:
صافنْ بنردِ الهتكْ
يجلوهُ كحافرِ الحرفْ
إذ يهذي بذاكرةٍ لا تسجدُ إلا لهْ
فانقضوا
هي خلوةٌ تسحلُ الصدوغْ بسنابكِ الغبارْ
ووعرُ المراعي الملتفّةْ حول فداحةِ الظلْ
خلوةٌ أفضتْ لترقوةٍ في النحرْ
هتفَ الأعِنّةْ
لهْ عنقُ الفريسةْ
وعنفوانُ الفراسةْ
لهْ
أيّها الجسدْ
أسعفتَ الدمْ
ببسالةِ الحلمْ
أسعفتَ الدمْ
ولكْ كلُّ هذا العسفْ
أيّها الساعدُ الوحيدْ
أيّها الشامخُ الأخيرْ
كيفَ لذَّ لكْ أن تُغامرْ
وأنتَ في شراسةِ البياضِ الحنونْ
تفورُ بطعنةِ الجنونْ
تفضضُ فتنةَ ماسٍ أرهفهُ نورُ التنّورْ
فماسْ بقدٍّ أهيفْ تماهى بوميضِ الماءْ
جسدٌ متّقدٌ برحيقِ القمرْ، بحنّاءِ النارْ
يفضحُ هذا الرهجْ بفيروزٍ من فيضِ الكلماتْ
كيفَ لكْ أن تنسى البابْ مفتوحًا
لكلِّ انتهاكْ ينتحلُ رهاوةَ النهارْ
مؤتزِرًا بهراوةٍ تلتفُّ كهاءَ الهولْ
تغدقُ أفراسكْ بصعقِ الزقّومْ
كيف… لكْ
أحكمْ رتاجاتكْ الألفْ
وأزفرْ بجودةِ الهباتْ
حلّقْ حول سريرٍ منهكْ
يرصدُ نذورَ الحلمْ… لتحتملْ
أهرقْ نبيذَ النوافذْ
هذه الينابيعْ التي تغوي همسَ الأفقْ
وحدها الجديرةُ بالفتحْ
في غرفةٍ مأسورةٍ بصمتِ الهواءْ وحرّيةِ الريحْ
لا تُغامرْ
وأنتَ في خلوةِ الذبيحةْ
وتنسى رعبَ البابْ
(2)
– لهجةُ الزبرجدْ
كيفَ اقتفيتَ خطورةَ هذا الخطوْ؟
– كالحبقْ، لم أكترثْ بالنهرْ
(3)
كلّما صدّني الصليلْ
تشبّثتُ برغبةِ الصحراءْ وهي تنفضُ الغبارْ
عن بهاءِ العواصفْ
تباهيتُ بعراءِ العزلةْ حتى سورتني سيّدةُ الغيابْ
بدهشةِ الماءْ
ولكنْ شيءٌ ما
يقتحمُ جنّةَ الأسرْ
يفجعُ دلالَ السرْ
هلْ جفلةُ الجسدْ؟
(4)
قليلٌ أن أختنقْ بقنفذِ هذا الوقتْ وحدي
وما يحلو لي من رعشةِ الرمادْ
عليْ
أن أغدرْ بكْ
الهديل
رُبَّما
هُوَ
الحُبُّ
أَنْ لا تَرى أَحَدًا
وَأَصابِعُكَ تَمورُ بِرَعدَةِ الوِحدَةِ في دَغَلِ المَشيبِ
وَأَنتَ تُلاطِفُ هَديلَ الرَّغبَةِ
أَنْ لا تَرى غَيرَ مَقعَدٍ فارِغٍ في مُنتَزَهٍ...
عن حصنٍ يشبهُ الحضنْ
لوّحَ بعكازيكَ من نافذةٍ تركضْ
كأنّها بياضًا يتقدّمُ غُرّةَ كتفيكْ… أيّها الأعزلْ
يا ملتفًّا بهواءٍ جاثمٍ لا يرأفُ بشهوةِ الفرارْ
ملتحفًا بملجئك الوحيدْ:
شرفةٌ...
كل هذا الوله
يا حُريَّةَ الحُبِّ
حَنينَ البَيتِ
مِن حَضنٍ شاسِعٍ يَطوي غُربَةَ الأَعضاءِ في لَسمَةِ اللَّيلِ
تَنشُرينَ دِفئًا يُطفِئُ رَعدَةَ اللَّهاثِ
خَلفَ دَمعٍ يَنحَدِرُ بَطيئًا
كَأَنَّهُ جِزيَةُ...
ممالك
الهَواءُ
دَليلُ الأَعمى
أَيَّتُها الإِبرَةُ
يا مَن تُخيطُ لَنا
جَسَدًا مِنَ الجِراحِ
أَما زِلْتِ عاريَةً؟
أَحبَبتُهُ
هَذا الطّائِرَ الَّذي بِلا جَناحٍ يَحلِقُ
وَأَحَبَّني
أَنا الجَناحُ...