رَفيقَةُ روحي
بِكِ اِمتَحَنتُ الحَياةَ وَلا أَكادُ أَعرِفُكِ
كُلَّما تَلاشَيتِ دوني دَنَوتُ مِنّي
تَفَهرَتِ بِمَلامِحَ تَنبُؤُ وَتَتَوَسّى وَتَغيبُ وَتَسأَلُني
أَحبَبتُكِ مُذ تَشَيَّأتُ بِكِ حَرفاً حَرفاً
وَنُدهتُ وَحَدَّقتُ وَأَصغَيتُ وَهَمَستُ وَتَهِتُ بي
أَيا آنِيَةَ النّور، سِرَّ السِّراج، باقَةَ اللَّاشَيءْ
تَكوينَ الأُنوثَة، مِحرابَ الخَوف، حَضنَ الحُبْ
جَريمَةَ السُّؤال، صاحِبَةَ النَّظَرِ فيما لا يُداري القَلبْ
كَم أَنتِ مَليئَةٌ وَمُزدَهاةٌ بِتَفاصيلي المُؤلِمَةِ
تَنفُضينَ البَحرَ وَتُرَتِّبينَ المَوجَ قَبلَ أَن أُبحِرَ بِكِ
تُهَيِّئينَ المَسافَةَ وَتُفضِحينَ السَّرابَ وَتَلُمْلِمينَ الغُبارْ
تُمَسِّدينَ الوَرقَ بِروحِكَ وَتَنزَعينَ الفَراغَ لِئَلّا أَراكِ
وَأَحْياناً تَضحَكينَ حَتّى أَبتَسِمُ لِمِرآكِ الرّائِعْ
أَيا ثَوبي وَعُريي وَغِطاءَ ظِلّي وَمُعضِلَةَ روحي
أَيا رُخصَةَ بَقائي وَعرَفاني وَوَجدي وَكُلَّ ما يَلتَبِسُ بي
بِكِ اِجتَزتُ العُمرَ وَأَهرَقتُ الوَقتَ
وَنَحَتُ ما كَتَبتُ وَنَحَرتُ ما كَتَمْتُ
صَوَّبتُ الطِّفلَةَ وَلَمَمتُ الصَّبيَّةَ وَتَرَجَّيتُ الأُمَّ
وَأَنبَتُّ الحَبيبَةَ وَتَجاهَلتُ العاشِقَةَ
فَوزُكِ أَضناني
وَفَشَلُكِ أَفشاني وَأَجَّجَ جَرائِري
أَيا امرَأَةً اِمتَحَنتُ كُلَّ الحُبِّ وَلا زِلْتِ تَرُقيني مِنهُ
أَيا امرَأَةً اِنتابَت ذاكرَتي بِوَميضِ الآه
وَلا زالَت تُشعِلُ الشَّمعَ وَتَنحَرُ القَرابينَ الكَسولَةِ
لِتُطفِئَ ذاكِرَةَ أَلَمي بِسَريانِ السَّمِّ
أَيا امرَأَةً لَم تَمُت قَبلَ أَن تَراني
نائِمَةً في الحُلمِ مُغَطّاةً بِالحَنينِ وَذِكرياتِهِ اللَّحوحةِ
أَيا امرَأَةً واضِحَةً تَعرِفُ أَنّي:
لا أَحيا إلّا لِلحِبرِ
لِظِلِّ حَرفٍ يَتَشَجَّرُ في روحي
لِصَدى ضَحَكاتِ صَبيَّةٍ ثَلاثَةٍ يُرَتِّبونَ قَلبي
لِحُبٍّ قَديمٍ وَآخَرَ يَقتَرِبُ وَواحِدٍ يُدنيني
لِقَلبٍ يَتَّسِعُ كَحَديقَةٍ تَنثُرُ عِطرَ عُمري
أَيا فَوزَ هَل نِلْتُ مِنكِ أَم نِلْتِ مِنّي
وَأَنا أَسأَلُكِ كُلَّ لَيلَةٍ: مِمَّ تَخافينَ
ها نَحنُ مَعاً
في مَصبِّ النِّهاياتِ
لا زِلْنا نَرتَقي الأَمَلَ الشَّريدَ
نَكشِفُ النِّهاياتِ الصَّعيبَةَ
نَطوي أَيّامَنا وَأَقمِشَةَ صَبرِنا
أَزهارَنا وَما تَبَرعَمَ مِن مَشاعِرِنا
نُرَتِّبُ مَوتاً جَريئاً لا يَرجِفُ عَلانِيَةً
بَل يَحتضِنُ جَسَداً لِلفَوزِ
يَتَشَظّى حُبّاً وَشِعراً وَحَرفاً وَحِبراً
لِيَغيبَ بِرِفْقَةِ رَملٍ ناعِمٍ وَثَوبٍ أَبيَضَ
لا يَخلو مِن صَمتِ المَوتِ أَوَّلاً
وَلا مِن هَواءِ الشِّعرِ آخِراً
تلك التي أحبها
لَها
لِطِفْلَةٍ تَتَعَثَّرُ بِعَتَباتِ البَيتِ
لِصَبِيَّةٍ تَغارُ مِن شَعرِها
لِامْرَأَةٍ تُظَلِّلُ قَلبَها بِالحُبِّ
لِأُمٍّ تَلعَبُ مَع عِيالِها
لِشاعِرَةٍ تَرحَمُ الحَرفَ
لِفَوزِيَّةَ
تِلكَ الَّتي أُحِبُّها
دُمُوعُ طِفْلَةٍ تَتَجاوَرُ...
ضحيةُ العيدِ الأوّلِ
عِندَما كانوا يَجُرُّونَهُ وَسَطَ صَرِيخِ إِخوَتِي
شَمِمْتُ رائِحَةَ فَرْوَتِهِ المُتَعَرِّقَةِ بِماءِ الهَلَعِ
لَم أُقَدِّرْ عَلى إِغماضِ قَلْبِي
عَن مَنظَرٍ يَسيلُ لَهُ الأَلَمُ
في البِدايَةِ...
قبل البحر
أَرى البَحرَ
مُرتَدِياً قَميصَ رُوحِكِ
مُهَرِّلاً نَحوي بِأَمواجِهِ العَجولَةِ
مُنتَهِيًا عِندَ قَلبي
لِأَراكِ
أَرى المَوجَ المُتَماوِهَ بِأُفُقِ يَدَيكِ
وَهِيِّ تَحتَضِنُ أَصابِعِي سِرّاً
كَأَنَّها خَلسَةً تَفتَشُ عَنكِ
...
لا تخطئ القلبْ
رَجَوتُكَ مُنذُ حُبٍّ بَعيدْ
وَتَسَلَّقتُ ظِلَّ الوَقْتِ كُلِّهِ
لِأُثبِتَ لَكَ ما بَينَنا
قُلتَ لي:
أَراكَ في عَينَيَّ
فَرَأيتُكَ تَرنو
وَتَرنو لِحُبٍّ يَراكَ
أَيا قَلْبي قُلْتُ لَكَ...
نصيبُ الأُمِّ
لا يُقدَّرُ بمِكيالٍ
لا يُعرَفُ له ثِقلٌ أو امتدادٌ ليُقاسْ
رائحةُ ثوبٍ، رطوبةُ حِضنٍ، الغريبُ من الظلالْ
لصوتِها ترجيحُ الأسى عندما تصمتْ
ولصمتِها...