للشعر من طاقة تعبيرية قادرة ملامسة أعماق الروح


حوار جريدة القبس – الكويت

 

أن اشكالية التواصل بين المتلقي والعمل الفني تتمحور في كل مناحي الابداع، كل هذه المظاهر تتعلق بتداعيات قيم الاستهلاك على الصعيد الثقافي، المسألة لا تتعلق بالشعر وحده، لكنها تتأسس لتدمير تاريخ وحضارة عربية، محو هوية وشرفة ابداعية تتباهى بها الأمم. هل هناك تداول جاد للكتاب الإبداعي في فوضى معارض الكتاب خارج كتب الطبخ والفضائح والأدلجة بتنويعاتها العقائدية والفكرية، هل ثمة متابعة رصينة للمسرح أو الموسيقى أو الفن التشكيلي، المصاب يتعلق ببنية مجتمعية قائمة على ترويج ثقافة استهلاكية بلغت من الهشاشة والانهزام حد تسييد التجهيل في كل وسائلنا الإعلامية ومؤسساتنا التعليمية، محو الهوية، تعميم العامية، هكذا تنهج دوائر الفعل الثقافي والاعلامي في مجتمعاتنا بتيسير أطماع المؤسسات الصناعية الغربية برساميلها الطاغية لإعادة تدوير عائدات النفط واسترجاع مدفوعاتها من هذه الشعوب عبر السيطرة على رغباتهم الاستهلاكية، تغييب “الجمهور” وتوجيه رغائبه نحو اهتمامات بعيدة عن تحدياته الإنسانية والحضارية.

منذ إنسان الكهف الأول الذي حفر على الصخر أول حرف ليبلغ العالم مدى وحشته، ليحتمي بكتابة شبه حياة أخرى أقل إيلاماً وأقسى أملاً، منذ آنذاك وحتى الآن يشكل الشعر مشهدنا العربي البهي الوحيد في مواجهة الخلل المتمثل في عالم عنيف لا يكف عن هوى التدمير وجناية الكبح لحياة لا يرضاها المبدع لروحه وجسده في آن.

الإبداع على مر العصور كان ولم يزل خط الدفاع الأول عن حرية الكائنات، بدئا من ذاك الكائن الرخوي المحتمي في صدفته وهو يحول انتهاك الرملة لطراوة عزلته الى لؤلؤة فاتنة، في تجربة الشعر العربي الراهن لا توجد إشكاليات تتعلق بتفرده أو بحضوره المتميز، ولنا أن نسأل: بماذا تحتفي المؤسسات الثقافية الغربية من نتاجات العرب الإبداعية؟ هل تحتفي بالمنجزات العلمية أو الاكتشافات التقنية أو الفكرية والنقدية والفلسفية، تلك المؤسسات تستضيف وتترجم وتحاور الابداع العربي بما يشتمل عليه من شعر ورواية وتشكيل وموسيقى، وغيرها من الفنون التراثية والمعاصرة، لكونه المنجز الوحيد الذي أتقنه المبدعين العرب وهنا أشير للأبداع المتميز الذي استطاع أن يفرض فرادته على الآخر.

أن ضعف التواصل مع التجارب الإبداعية تحقق نتيجة ضعف فعل القراءة وليس انعدام الكتابة، الشعر الحديث غير موجود في مناهجنا التعليمية ولا وسائلنا الإعلامية بما يليق به، ما عدا ندرة من امسيات خجولة، كما لعبت الهجمة التي تعرض لها الشعر الحديث على كل المنابر والتي ما زالت رحاها مستمرة دوراً مشيناً في تعميق الهوة بينه وبين القراء، وهذه من مصائب ثقافة الاستهلاك تجاه واقعنا الثقافي المتأسس على جملة من الانهيارات القيمية والرؤيوية تجلت في سيطرة الثقافة الواحدية، غياب مكونات المجتمع المدني المتحضر المشتغل على لغة الإبداع ومحاورة الآخر لتحقيق الشراكة في صناعة العالم، مما أدى لتخلق واقع استهلاكي شل حياتنا بأكملها، ضمن اقتصاديات غير منتجة، هكذا تعرض الابداع المنشغل بدفوعاته وبتميزه لصعوبات بالغة للتواصل والآخر، هذا الذي تم إشغاله وإلهائه بالابتذال الاستهلاكي السلعي والثقافي عبر سياسات إعلامية قائمة على التجهييل المستمر.

ضد كل ذلك يتقد التحدي الابداعي، لما للشعر من طاقة تعبيرية قادره على الكشف وملامسة أعماق الروح لا أوجاع الناس فحسب بل نبض الكون، هذا هو الشعر، اما الهذر المتمثل في اللغو السائد واستسهال الكتابة فلا يسمى شعراً، ثمة شعر يتلو ما تراه الروح بهدوء بالغ، وثمة شعر تحتشد له الأكف وهو يهدر على المنصات، وللمتلقي حرية الاختيار بينهما.

أما أن يكون للشعر شأناً “جماهيرياً” فأعتقد بأن هذا المفهوم الديماغوجي أتقنت تسويقه حمى الشعارات، عندما كان الشاعر يستند لترويج قصيدته النارية على الحزب أو المؤسسة الأدبية التي تدعمه، عندما كان الدعاة يسندون ضجيجه بالتصفيق وحماس الهتافات، حيث لا صوت يعلو على صوت المعركة التي رفعت راياتها المهترئة مبكراً.

منذ ذلك الوقت والشعر يتعرض لتحديات فنية لا تتكئ على نحت الحرف بحرية بالغة، تضفير الصورة الشعرية بابتهالات حكيمة، جريئة في تصديها للحدوث، مضامين متغايرة، تحديات غير مرتهنة للآخر، بل للذات في انشطارها نحو الآخر.

عودة الشعر لمعتركه الحقيقي هذا، أذاب الضلال المغوي المتعلق بجماهيريته وصخب الكفوف، أعاده لقارئ وحيد مثله، يلتذ بقراءة الحروف دون وهم واحد يتعلق بذرى المجد وندهة الخلود.

ان علاقة الشعر كمعطى ثقافي حضاري ابداعي مع “الجمهور” يتأثر بعوامل عديدة منها مستوى العمل الفني والذائقة الفنية والمعرفية للمتلقي التي تستطيع مواكبة الرؤية الشعرية. أما فيما يتعلق باهتمام النخب فهي مسألة متاحة لهم بحرية وتندغم ضمن ذائقيتهم الفنية، كل فن له بؤر نخبوية تتسع شيئا فشيئاً مع ارتقاء الشعوب الحضاري.

إذا اتفقنا على تماهي الإبداع بالحياة ذاتها وتحديداً الشعر، نصل لماهيته: الدفاع عن قيم الإنسانية والحرية والعدالة ووحدة الاختلاف، كماهية وصيرورة الحياة ذاتها، الحياة هذه المدافعة الشرسة عن نقاوة الأرض وبراءتها، ضد ما يحدثه الشر الكامن في البشر من حروب وتدمير وقتل ودخان كل نهار.