تلك الأسيجة التي نحزت ذاكرتي ولم تزل


الكاتبة: شادية ترك

 جريدة أخبار الخليج-2003

 إشكالية المرأة في ظل الثقافة الفحولية، إشكالية طال الحديث عنها واشتد الجدل حولها، البعض يرى أن المرأة نالت كل حقوقها، وآخر يرى أن لا مزيد من الحقوق يمكن أن تعطى للمرأة وآخرون يسألون ماذا بقي للمرأة مادامت خاضت كل ميادين العمل ودخلت في إطار صنع القرار، وهذا طبعاً وكما أراه أنا حديث لم يترك التنظير إلى واقع الممارسة، ومن هنا ومن أجل وضع النقاط على الحروف، كان لا بد لنا أن نلامس الواقع ونحاور المرأة من منطلق تجربتها الحقيقية لنقف عند ما هو فعل حقيقي تعيش المرأة كل إرهاصاته.

ومن هنا كان لنا هذا الحوار مع الكاتبة والشاعرة فوزية السندي التي تعد من الأقلام النسائية المبدعة في مجال الكتابة، هذا المجال الذي ربما يعد أكثر المجالات فحولية ومن ثم أكثرها تحدي في إثبات الذات الأنثوية في مجال الابداع.

1- الكتابة هي قلم والقلم عادة أله فحولية تري فيها الثقافة الذكورية ممتلك خاص فهل ترى الشاعرة فوزية السندي في اللغة أي خواص جنوسية تجعل من فعل الكتابة حكر على الرجل وممنوع على المرأة؟

– بالفعل أرى ذلك، بمعنى ان ممارسة الكتابة كانت حكراً على الرجل، طيلة قرون مضت، بل اللغة ذاتها تأسست على هذا الفعل الذى اعتنى بالأبداع ضمن المنظومة المعرفية والقيمية التي تعمل على تسييد الأرث الذكوري، خروج المرأة المتأخر جداً من حصار الصمت، السلبية، التغييب المطلق، استدعى نهوض أدواتها التعبيرية التي تتقدمها روحها الشغوفة بمحنة الأجنحة وذهابها نحو حرية لا تطال، لا توجد باعتقادي اي سمات جنوسية- بمعناها الضيق المعجمي الاصطلاحي- لتدع الكتابة حكراً على الرجل، كل ما هنالك تحد قاس وموغل في الإلغاء لحضورها، يتوازع على جداران سديدة التصويب نحو حذفها خارج المشهد الشعري، كل ما على الكاتبة أن تنتضي حبرها كسلاح القتيل وتداوم موهبة اجتراح الحرف، رغما عن كل السدود التي تتصاعد كلما تقدمت بخطوها النبيل.

 

2- نحن نعرف أنك تكتبين في جرائد ومجلات ثقافية عربيه ودولية، فهل تعني غربة التجربة هذه أن المرأة العربية مازالت تواجه إشكالية في تحقيق ذاتها الإبداعية على المستوى المحلي؟

– ما اقتادني للكتابة خارج وطني، ما لقيته من مصادرة لعمودي صوت في بداية التسعينات، عندما اعتذرت “جريدة الأيام” التي كنت أكتب فيها عن نشر عمودي وعمود الشاعر “قاسم حداد” في الملحق الثقافي، ورحلته إلى الصفحة الثقافية اليومية، بل امعنت في نشره بما لا يليق بالكتابة، هذا ما دعاني لقبول العروض التي توافدت على ودعتني لاستضافة صوت بكرامة قبل كرم لائق. وهذا المناب لا ينطبق على تجربتي بل على العديد من الشعراء والكتاب، لم لا نرهم في وطنهم؟؟ المصاب هنا لا يتعلق بكتابة المرأة تحديداً، بل بطبيعة تعامل صحافتنا الثقافية مع كتاب البحرين، ومدى تقديرها لنصوصهم حين النشر، او على الاقل لنسال كيف يتم تغطية نشاطاتهم ومحاوراتهم التي تتحقق خارج الوطن.

3: أنت كامرأة خاضت تجربة العمل في فتره سابقه من حياتك، هل ترين أن هناك ضرورة في أن تحقق المرأة اكتفاء ذاتياً من الناحية المادية أم لا؟

 

– هذه المسالة محسومة منذ قرون نهضوية مضت، لا داع لبدء محاورتها، عمل المرأة حق دستوري وشرط انساني، لحريتها واستقلالها عن ملكية وعبودية ذكورية تتماحك بشرط استقرار العائلة، كاستجابة لكل الدعوات القديمة لعودتها للبيت، كأنما العمل سوف يعفيها من واجباتها العائلية، ان المرأة البحرينية تحتمل وتتحمل كل المحن الأسرية دون حد يذكر، تواكب ثقل العمل وتسرف أيضا في رعاية الاسرة بلا حدود، حيث تحول الرجل في مجتمعنا الاستهلاكي الموغل في الرعونة والبطش إلى معيل عليه فقط ايراد النقد دون هم يذكر.

تجربة العمل الوظيفي التي انسقت لها في المصارف، ومن ثم العمل في القطاع الخاص، لم تلغ رغبتي الحثيثة للتفرغ لكتابتي، دوماً كنت أرى الكتابة تشكل شغلي الأبدي، لكونها لا ترتهن لدوام زمني، بل أمضي النهار والليل كله في اجتراح حضورها، المدون منه على الورق أو المنحوت على الهواء.

4- من منطلق تجربتك الخاصة هل ترين أن العمل والإبداع يكلفان المرأة ضريبة ما خاصة لو نظرنا لحجم المسؤوليات الملقاة على عاتقها كأم وزوجه، بمعنى هل يمكن للمرأة أن تكون ناجحة وهي تجمع بين كل هذه المهام؟

–  دون شك، الكتابة وحدها، وحياة التعلم والمتابعة لما يستجد ومواجهة البياض الكريم، وحدها مسالة قاتلة، ناهيك عن حضور الاطفال ورعاية البيت وتدشين المسؤوليات الأسرية، عندما كنت اشتغل في المصارف، كنت ألتاذ بالليل العليم بحالي حيث استحث قواي بقدرة الحرف علي، وعندما تفرغت للكتابة منذ وقت مضى، مازلت اعاني من قدرتي على التوفيق بين مطالب الابناء والبيت ووقت كتابتي، ما اسعفني بالفعل، طبيعة علاقتي بالكتابة والقراءة، التي تشبه الهواء لجسدي، و أيضاً تعود أولادي منذ الصغر على تقدير صمتي، ابتعادي عنهم، الانشغال بالشعر.

 

5- برأيك ككاتبة وشاعرة هل تواجه المرأة المبدعة نوع من التهميش المتعمد أم أن وضع التهميش في مجتمعاتنا العربية وضع عام يعاني منه كافة المثقفين دون فوارق جنسية؟

 

– لا، المرأة تحديداً لا تعاني فقط  من التهميش بل صارت تحتكم إلى الجحيم بما يرهق روحها الشعرية مما تعانيه من إلغاء وليس تهميش، هذه الحقيقة المؤلمة أشد ما يؤلمني، لكونها لا تصدر من خلال التابو المجتمعي ورعاته من المتكلسين والمتأخرين عن حرية الحياة، لكنها تعدت ذلك، لنراها تتمثل في سادة الابداع والكتاب، بالفعل هذا المنحى يشكل ألما لا يستهان به، ليس وحده الاستهلاك المستشري دمر حضور المرأة الانساني كذات مستقلة، عندما حولها لموضوع للإثارة، ليس ما نشهده على فضائيات العرب من تسليع لجسدها وكرامتها، بل تعدى الامر هذا التسليع المغوي في الأغاني والإعلانات، لينضاف له اهدار كراماتها عبر تسويق العنف العائلي في مسلسلات بحرينية تحديداً كل رمضان وخليجية أيضا، ليشهد أطفالنا وابناؤنا على كيل الصفعات وجر النساء من شعورهن بحجة التشويق الدرامي، الذى لا صلة له بالدراما قدر ما يتصل بترويج العنف ضد المرأة فضائياً …ألا يخجلون مما يفعلون تجاه أمهاتهم واخواتهم وحبيباتهم.

 

6 – من خلال مسيرتك الكتابية الجادة كشاعرة استطاعت أن تترك بصمتها الخاصة في الساحة الثقافية، هل هناك ما يمكن أن نسميه تحديات أو صعوبات وقفت كعائق في وجه تجربتك الإبداعية كونك امرأة؟

 

– تلك التحديات والصعوبات انجزتها في كتابة اسميتها -أسيجة تنحز ليل الذاكرة- قدمتها في شهادة تعدت الكثير من الورق، في مؤتمر المرأة والابداع في القاهرة، عندما طلبوا منى تقديم شهادة حول تجربتي الشعرية، كذلك كتبتها ضمن نص شعري، لا أستطيع أن اوجزها في هذا الحوار وذلك لتعدد تلك الأسيجة التي نحزت ذاكرتي ولم تزل.