اشكاليات الشعر في الوطن العربي


اكاتبة: شادية ترك

جريدة الأيام البحرينية

يعتبر الشعر من أهم الروافد التي تصب في بوتقة الثقافة وبحورها، ومن هنا ومن منطلق أهمية الشعر، وانطلاقاً من محطات نعتقد بأنها تثير اللبس والاستفهام حولها كإشكاليات ملحة تعكر صفو وفكر المهتمين والمعنيين بشئون الثقافة والأدب في الساحة الثقافية العربية، ولا نستبعد منهم أصحاب الشأن هم الشعراء الذين كانوا أحق من يكون في الإجابة على ما نعتبره سؤالاً حول إذا ما كان الشعر في ظل علامات الاستفهام الكثيرة التي تقبع في عمق الثقافة العربية يمثل سؤالاً فنحن لا نقدم أسئلتنا من منطلق وهم الشمولية ولا نهاية الاشكالية، ولا نعلن بداية ما أشرف على النهاية، ولكنا رمنا الابحار مع نواخذة البحر في عشقهم الأبدي.

وحول اشكالية الشعر في الوطن العربي، كان لنا هذا الحوار مع مجموعة متميزة من شعراء البحرين.

حوار مع الشاعرة “فوزية السندي”:

1- بالأمس كان للشعر مكانته وللشاعر وزنه، الآن لم تعد ولادة شاعر تعني شيئاً وأصبح الشعر تجربة جمالية دلالية مغايرة، لا تجذب إلى جذوتها سوى المهتمين بالشعر والمنشغلين بسياقاته من نقاد وشعراء وأدباء.. فكيف لنا أن نقيم الوضع الحالي للشعراء في الوطن العربي، وما هي مبررات اختيالهم من قلب الثقافة العربية؟

– ان للتطور الحياتي الشامل دوراً في إحداث المتغيرات على كل مستويات الابداع، وأن (الخلل) الذي تتحدثين عنه لا يقع على الشاعر الذي لا تعني ولادته الابداعية شيئاً لوطنه العربي.

نحن في عام 2001- فيما كانت القبائل العربية قبل قرون تحتفي وتتباهى بصوته لكونه من سوف يخلد صيتها وتاريخها كله، هل نلوم الشاعر-الآن- الذي حقق تجربة شعرية جمالية ذات أبعاد دلالية مغايرة، بعدم استجابة أحد لجذوتها، سوى القلة من المشتغلين في الأدب؟

ولماذا منذ الخمسينيات حتى أواخر الثمانينيات كانت تجربة هذا الشاعر العربي ذاته تتواصل مع الناس الذين كانوا منشغلين بالمعرفة والثقافة ضمن مشاريع النهضة العربية وآفاقها التحررية، أما الآن بعد أن تم إغراق الشعوب برحى الاستهلاك، وتم تعميم الرطانة، عامية اللهجة، استبداد سياسات التجهيل، من الصعب أن يكترث أحد بالأبداع بكل تنويعاته التعبيرية، وليس بالشعر وحده، بالذات لكون هذه “الأمة العربية” التي نراها الآن تتحدر إلى منتهى الذل والمهانة. لم يعد الابداع ينتظر منها أن تحتفي به، بل أن تخسره، لكون الألم تعداه، وطال كرامتها وتاريخها كله.

من الصعب عقد مقارنة بين مصاب الشاعر العربي الآن، ومصابه فيما مضى، مثلما لا نستطيع أن نتعامل مع هذا المعيار لتحقيق رصد تاريخي لمواضيع الاشكالات الفنية والتعبيرية الأخرى.

إلا انه بالرغم من قسوة الحاضر الثقافي وتداعياته، إلا أن الشاعر العربي استطاع مواكبة طبيعة قلقه الوجودي، وغموض حيرته الكونية التي تبدت له، بل حاول جاهداً من خلال نصه أن يبتدع أسئلته الحاصلة مما يعتري جوانحه، لنشهد تجليات ابداعية في الحركة الشعرية العربية استطاعت بمكتشفاتها الفنية أن تؤثر بعمق في الحركة الشعرية العربية والعالمية.

لقد اختلفت المعايير والموازين التي كانت تقيس المدى الابداعي للمنتج الفني، بحيث لم نعد نعتمد على “جماهيرية” التجأت لمهب الاستهلاك، ولا على حفاوة “نقدية” عاجزة عن التحقق بما يذهل منجز الشعر الراهن، ما حدث هو ان الشاعر احتمى بشفافية روحه الشعرية، بتواصل نصه والآخر من خلال جرأة النص ذاته.

2- هناك اشكالية باتت تفرض نفسها وهي ذلك الخلط أو اللبس في إطلاق مسمى “القصيدة النثرية” على الشعر العمودي الحر، فهل هناك بالفعل ما يسمى “بقصيدة النثر”، وهل يمكن أن يحتفظ لونان من الأدب بخصائصهما الأدبية في حال تلقح بعضهم من الآخر؟

لقد شكل مصطلح “قصيد النثر” بمدى الالتباس الاشكالي، والتوصيف النقدي الذي ينوء به، شكل أرباكا واضحاً، أبان نهوض تجربة شعرية عربية جديدة بمنجزاتها النصية، تم انجازها من خلالها حساسية مختلفة، وحالات حوارية شعرية مهمة، هذه المسافة بين التجارب الوزنية بشكلها المقنن وبين تصاعد ايقاعية متمايزة عنها، عبرت عنها تجربة شعرية أكثر تشبثاً بمدى حرية النص، هذه المسافة كانت مهمة للغاية، وقيد التفلت على الاقل لمغادرة الاشتراطات الوزنية نحو حرية ايقاعات بصرية وحروفية وجمالية تسعف الشعرية العربية،وتدفعها للاكتناز بمخزون الطاقة التعبيرية المذهلة للغة العربية.

لقد تعودت منابر الثقافة العربية دوماً أن تنشغل وتشغلنا بعبء هذا المصطلح بشكل شكلي لا عمقي، اشتغال لا يقترب بشكل نقدي تجاه ما تحقق من ابداع، هذا لنصطدم على الدوام بحوارت شكليه، ساقها لنا النقد الصحفي، وليس الثقافي، منساقة أحياناً ضد الابداع، لئلا تنشغل بما يقدمه لنا النص الشعري من ابداع انساني شديد الفرادة، هكذا يتم طمس النص، ومزاولة فعل الاحتراب نحو المصطلح، عبر محاورة معايير صماء.

3- يرى الكاتب العراقي” محمد صابر عيد” أن الحداثة الشعرية الآن ماهي إلا حداثة شكلية في الايقاع والوزن، وليست حداثة حقيقة في المضمون، فماذا يعني التجديد في الشعر العربي الحديث؟

ان الحداثة الشعرية التي يراها الكاتب “محمد صابر عيد” شكليه في الايقاع والوزن، وليست حداثة حقيقة في المضمون، ما هو إلا اجتهاد نظري صرف، يعبر عنه ويختص به، بالرغم مما يمثله هذا الاطلاق النقدي من دليل مؤسف على حجم التعمية والتضليل التي يحلو للاجتهادات النقدية العربية أن تطلقها بعمومية غير مسؤولة اطلاقاً.

اذ اننا عندما نتحدث عن الحداثة الشعرية العربية فنحن لا نجنح نحو رصد كل هذه الفوضى الراهنة المسماة شعراً أيضاً، والتي تنهال بمجانية تامة بفعل التساهل الخطير في صحافتنا الثقافية، ودور النشر، لكننا عندما نتداول مفهوم الحداثة الشعرية فنحن نقف أمام أعمق التجارب الملهمة للخلق الفني، ولتأصيل الرؤيا الابداعية المغايرة، نحاور ندرة من المواهب الشعرية العربية التي استطاعت أن تدوي بحداثتها الابداعية، بفرادة وتألق لتشهد لها مرتكزات الابداع في عواصم العالم لا في عالمنا العربي وحده، للأسف، هكذا نسرف في التسويف بمنجزنا الابداعي الوحيد أمام العالم كله، وكيف لنا أن نصف تجارب أهم الشعراء العرب بحداثة شكلية في الايقاع و الوزن وليست حداثة حقيقية في المضمون.؟

4- في ظل التغيرات ومستجدات العصر الراهن، وفي ظل مآسي وجروح الجسد العربي، ما هو الدور وماهي الرسالة التي يجب أن يضطلع بها الشاعر في الوطن العربي؟

– عندما نتفق على كون الابداع رؤيا إنسانية بشمولية لاتحد، فنحن نستثير مدى تأثير هذه الرؤية، ومدى انشغالها بملمات الحياة، التجربة الشعرية تبدأ من الجسد حتى آخر الهواء، رسالة النص الشعري لا يستهان بها بالذات لحصولها على طاقة تعبيرية خطيرة تتمثل بقدرتها على اختراق جسد وروح الآخر، التأثير عليه عبر محاورته، استثارة صمته، الشاعر فيما يكتب النص، هو يحيا أيضاً في وطن يدغمه في محنته، ليكتب عليه أن يحيا مثل لنصه المثخن بطاقه هائلة على التغيير، لصوته أيضاً كمثقف قدرة على المحاورة، إيصال دفوعاته عن قضاياه، مكتسباته وحقوقه الإنسانية، المسألة كما أراها متكاملة ومتداخلة لأبعد حد، آن لنا أن نغادر المفاهيم التي روجت لها الرؤى المجدبة عندما راهنت على تحييد الشاعر عن مشاغل وطنه، عن نبض حياته، عن نهضة صوته، عبر اغراءه بهذا العزل والتحييد كشرط لاكتمال تجربته، للموهبة عزلتها البهية، محترفها المترف، الوحيد المحصن بها، بعيداً عن الآخرين حين الكتابة، لكن للشاعر كمثقف قدرته النقدية الملغومة بطاقة الرفض والمغايرة الأزلية التي يتحلى بها لإحداث ما يراه من تأثير بالغ في حركة الثقافة.